النادلة النائمة

في الساعة الثالثة وسبع دقائق فجرًا، اندفع المليونير الأرمل عمر المنصوري وركل باب الحظيرة بقوة، وهو يتوقع أن يجد خاطفًا. لكن ما رآه في الداخل شلّ حركته. كانت سارة عبد الرحمن، نادلة تبلغ من العمر أربعة وعشرين عامًا، نائمة فوق أكوام القش، تحتضن توائمه الثلاثة البالغين من العمر ستة أشهر داخل معطفها لتدفئتهم.
كانت إحدى الطفلات تحترق من شدة الحمى.
والثانية ترتجف من البرد.
أما الثالثة فكانت تقبض بيديها الصغيرتين على قلادة ياقوت حمراء كان عمر قد أغلق عليها خزنة غرفته بعد جنازة زوجته.
وقف خلفه مدير المزرعة، ثم أشار إلى الفتاة النائمة وقال ثلاث كلمات كادت تدمر حياتها:
“اقبضوا عليها فورًا.”
—
كانت رياح الشتاء تعصف بمزرعة الوادي الأخضر، حاملة معها بردًا قارسًا يخترق العظام.
وقف عمر تحت ضوء الطوارئ الأصفر أمام الحظيرة، عاجزًا عن استيعاب المشهد.
ما زالت سارة ترتدي زيها الأزرق الباهت الخاص بمطعم الدوار.
كان أحد أكمامها ممزقًا، والقش يلتصق بشعرها الأسود، بينما ابتلت حذاؤها الرياضي بمياه الصقيع الذائبة.
ورغم أنها كانت نائمة، فقد لفّت جسدها بالكامل حول الأطفال، وكأنها تحاول حمايتهم من العالم كله.
كانت ليان تستند إلى صدرها، ووجنتاها محمرتان بسبب الحمى.
أما جنى فكانت نائمة أسفل ذراعها اليسرى.
بينما أمسكت ريم، أصغر التوأم، بقلادة الياقوت الحمراء المثبتة في إطار فضي.
عرفها عمر في اللحظة نفسها.
لقد كانت ملكًا لزوجته مريم.
كانت ترتديها ليلة تقدمه لخطبتها، ويوم زفافهما، وفي كل مناسبة مهمة خلال أحد عشر عامًا من زواجهما.
وبعد وفاتها أثناء ولادة التوأم، وضع عمر القلادة داخل صندوق مغلق في خزنة غرفته.
ولم يكن أحد يعرف الرقم السري للخزنة.
صرخت الأرضية الخشبية تحت حذائه.
فتحت سارة عينيها فجأة.
لم تصرخ.
بل رفعت إصبعها إلى شفتيها وهمست:
“من فضلك… ما تصحيهمش… حرارة ليان بدأت تنزل أخيرًا.”
في لحظة، تحول ارتياح عمر إلى غضب عارم.
“إنتِ عملتي فيهم إيه؟”
ارتجفت سارة، لكنها لم تبتعد عن الأطفال.
قالت بهدوء:
“دفاية أوضة الأطفال بطلت تشتغل… والكاميرات فصلت… والأوضة كانت متجمدة. مولد الكهرباء الاحتياطي في الحظيرة كان شغال، فاضطريت أجيبهم هنا.”
نظر إليها غير مصدق.
“أخرجتي بناتي للحظيرة في نص الليل؟!”
أجابته بصوت مكسور:
“كانوا بيزرقّوا من البرد.”
في تلك اللحظة، دخل محمود الشاذلي، مدير المزرعة، وبرفقته اثنان من أفراد الأمن.
كان محمود في السادسة والأربعين من عمره، عريض الكتفين، يغزو الشيب جانبي رأسه، ويرتدي ملابس أنيقة بشكل لا يناسب رجلًا استيقظ لتوه من النوم.
عمل مع عمر لأكثر من اثني عشر عامًا.
وبعد وفاة مريم، أصبح هو المسؤول عن كل شيء تقريبًا.
الرواتب…
الصيانة…
الأمن…
العاملون في المنزل…
بل وحتى الممرضات المكلفات برعاية التوأم.
نظر إلى سارة باحتقار واضح وقال:
“أهو الخاطفة… اتصلوا بالشرطة.”
رفعت سارة رأسها وقالت بثبات:
“أنا ما خطفتش حد.”
ابتسم محمود بسخرية.
“عايزانا نصدق إنك شلتي ثلاث أطفال من سريرهم بدافع الإنسانية؟”
ردت بهدوء:
“كل اللي بطلبه… إنكم تروحوا تشوفوا أوضة الأطفال.”
سألها محمود بسرعة:
“عرفتي منين إن مولد الحظيرة شغال؟”
ترددت للحظة.
وكان ذلك التردد كافيًا ليستغل الموقف.
قال وهو ينظر إلى عمر:
“دي مجرد نادلة بتوصل الأكل من باب الخدمة… ما عندهاش أي سبب تعرف الأطفال بيناموا فين، أو لوحات الكهرباء فين، أو أي مبنى فيه مولد مستقل.”
ثبت عمر نظره عليها.
كان كلام محمود يبدو منطقيًا…
وهنا كانت الخطورة.
خفضت سارة رأسها وقالت:
“الممرضات كانوا بيسمحوا لي أدخل أساعدهم لما أوصل طلبات بالليل… الأطفال كانوا بيهدوا لما أغني لهم.”
ضحك محمود باستهزاء.
“يعني كنتِ بتدخلي أوضة الأطفال من غير علم أصحاب البيت؟”
قالت بسرعة:
“الممرضات هما اللي طلبوا مني.”
“طبعًا… حجة مناسبة.”
“أنا ما خدتهمش علشان فلوس.”
“لسه ما طلبتيش الفلوس.”
اقترب أحد أفراد الأمن وهو يخرج الأصفاد.
لكن عمر رفع يده.
“استنى.”
تجهم وجه محمود.
اقترب عمر من الأطفال، وجثا فوق القش.
وضع يده على جبين ليان…
ثم فحص تنفس جنى…
وأمسك معصم ريم الصغير ليطمئن على نبضها.
كنّ جميعًا على قيد الحياة.
ودافئات.
وللمرة الأولى منذ اختفائهن، شعر أنهن أكثر أمانًا بين ذراعي سارة مما كنّ عليه داخل غرفتهن.
وفجأة…
فتحت ريم كفها الصغير.
وبرقت قلادة الياقوت تحت ضوء الحظيرة.
التقطها عمر بحذر.
وسأل بصوت منخفض:
“جبتيها منين؟”
نظرت سارة إلى القلادة بدهشة حقيقية.
وقالت:
“لقيتها جنب لوحة الكهرباء اللي فوق… من يومين.”
عقد حاجبيه.
“إنتِ سرقتيها من خزنة أوضة نومي.”
هزت رأسها بقوة.
“أنا عمري ما دخلت أوضة نوم حضرتك.”
“القلادة كانت مقفول عليها في خزنة.”
“وأنا بقولك الحقيقة.”
اقترب محمود من عمر وهمس:
“الوضع أخطر مما كنا فاكرين… شكلها دخلت البيت أكتر من مرة وكانت بتراقب كل تحركاتك.”
اختفى اللون من وجه سارة.
“لأ… ده مش حقيقي.”
قال عمر بصوت هادئ:
“خدوها على مكتب الأمن.”
نظرت إليه بعينين امتلأتا بالصدمة.
“إنت مصدق إني أذيتهم؟”
نظر إلى بناته.
كان يريد أن يقول: لا.
كان يريد أن يصدق المرأة التي كانت تحتضنهن لتحميهن.
لكن منذ وفاة مريم…
أصبح الثقة رفاهية لم يعد يملكها.
قال بصوت خافت:
“أنا محتاج أعرف الحقيقة.”
اقتادها أفراد الأمن.
لم تقاوم.
خلعت معطفها، وغطت به الأطفال جيدًا، ثم همست:
“من فضلك… خليك جنب ليان… ممكن تحتاج دكتور.”
ثم سمحت لهم باقتيادها.
—
قبل ثلاثة أسابيع، وصلت سارة عبد الرحمن إلى المنصورة، ولم يكن معها سوى ثلاثة آلاف جنيه وحقيبة ظهر ممتلئة، ولا مكان تستطيع استئجاره لأكثر من شهر.
توفيت والدتها وهي في الثالثة عشرة من عمرها.
وبعد عامين، اختفى والدها، تاركًا خلفه ديونًا ورسالة قصيرة كتب فيها:
“أنا محتاج أبدأ حياتي من جديد.”
أما سارة…
فلم تحصل أبدًا على فرصة لبداية جديدة.
قضت السنوات التالية تعمل في غسل الأطباق، وتنظيف الفنادق، ورعاية أطفال الآخرين، وتقبل أي وردية إضافية تستطيع الحصول عليها.
وكلما ادخرت مبلغًا للدراسة…
تعطل شيء…
أو مرض أحد…
أو ارتفع الإيجار.
وفي الرابعة والعشرين، أدركت أن الفقراء يُسمح لهم بالأحلام فقط… طالما لا تتعارض مع البقاء على قيد الحياة.
حصلت على وظيفة في مطعم الدوار، تبدأ ورديتها في الخامسة صباحًا.
وكانت صاحبة المطعم، الحاجة أمينة، أرملة حادة اللسان تؤمن أن كل مشكلة في الدنيا يمكن حلها بفنجان شاي ساخن ورغيف طازج.
قالت لها يومها:








