قصص و روايات

النادلة النائمة

“مزرعة الوادي الأخضر بتطلب أكل للعاملين مرتين كل أسبوع… ناس أغنيا، وبيدفعوا كويس، لكن مشاكلهم أكتر من فلوسهم… خليكي في حالك.”

وكانت سارة بارعة في أن تمر دون أن يلاحظها أحد.

في أول مرة رأت فيها توائم عمر، كانت توصل شوربة فراخ إلى المنزل الكبير.

مقالات ذات صلة

وفي الطابق العلوي، كانت إحدى الممرضات تحاول تهدئة ثلاث طفلات يبكين في وقت واح

توقفت سارة تلقائيًا.

التفتت إليها الممرضة الشابة، وعيناها محمرتان من السهر، وقالت بتعب:

“ممكن تمسكي دي دقيقة؟ أنا لازم أجيب الدوا.”

قبل أن ترد، وضعت الطفلة الصغيرة بين ذراعيها.

وفي اللحظة التي لامست فيها سارة جسدها، توقفت الصغيرة عن البكاء.

ابتسمت الممرضة بدهشة.

“غريبة… دي بقالها ساعة مش راضية تهدى.”

ومنذ ذلك اليوم، كلما جاءت سارة لتوصيل الطعام، كانت الممرضات يطلبن منها الجلوس لدقائق مع التوأم.

لم تكن تتقاضى مقابلًا.

ولم تكن تنتظر شكرًا.

كانت فقط تغني لهن بصوت منخفض أغنية كانت أمها ترددها لها وهي صغيرة.

ومع الأيام، أصبحت البنات يبتسمن بمجرد رؤيتها.

حتى عمر نفسه لاحظ الأمر مرة.

رآها تحمل ليان بينما كانت الصغيرة تضحك لأول مرة منذ وفاة أمها.

لكنه مر بجانبها دون أن يقول كلمة.

كان يعيش داخل حزنه.

ولم يعد يرى الناس… بل يرى فقط الفراغ الذي تركته مريم.

داخل غرفة الأمن…

جلست سارة على الكرسي المعدني، ويداها ترتجفان من البرد.

لم يضعوا الأصفاد في يديها بعد.

لكنهم أغلقوا الباب بالمفتاح.

وقف عمر أمام شاشة كاميرات المراقبة، بينما بدأ الفني يستعيد تسجيلات الليلة.

قال محمود بثقة:

“هتشوف بنفسك إنها دخلت أوضة الأطفال.”

مرت الدقائق ببطء.

ظهرت الشاشة.

الساعة الثانية وثماني عشرة دقيقة.

دخلت إحدى الممرضات مسرعة إلى غرفة الأطفال.

بعدها بثلاث دقائق…

انطفأت الإضاءة بالكامل.

ثم توقفت الكاميرات.

نظر الفني إلى عمر وقال:

“فيه حد فصل التيار عن الكاميرات يدويًا.”

رد محمود بسرعة:

“أكيد هي.”

لكن الفني هز رأسه.

“مستحيل.”

التفت الجميع إليه.

أشار إلى الشاشة وقال:

“لوحة الكهرباء الرئيسية موجودة في مبنى الإدارة… مش في البيت.”

ساد الصمت.

سأل عمر بحدة:

“مين يقدر يدخلها؟”

أجاب الفني:

“حضرتك… وأنا… والأستاذ محمود.”

تجمدت ملامح محمود للحظة.

ثم ابتسم باستخفاف.

“يعني هتتهمني؟”

لكن عمر لم يرد.

بل طلب تسجيل الكاميرات الخاصة بمبنى الإدارة.

مرت ثوانٍ…

ثم ظهر شخص يرتدي معطفًا أسود.

اقترب من لوحة الكهرباء.

أدخل مفتاحًا خاصًا.

وفصل التيار.

لم يظهر وجهه بوضوح.

لكن ما ظهر بوضوح…

كان خاتمًا فضيًا كبيرًا في إصبعه الأيمن.

نظر عمر تلقائيًا إلى يد محمود.

كان الخاتم نفسه.

ابتسم محمود ابتسامة متوترة.

“الخواتم دي منتشرة.”

لكن عمر لم يقتنع.

في تلك اللحظة…

دخل الطبيب مسرعًا من غرفة الأطفال.

قال بلهجة جادة:

“مين اللي نقل البنات للحظيرة؟”

أجاب عمر:

“سارة.”

هز الطبيب رأسه ببطء.

“لو كانوا فضلوا عشر دقائق كمان في أوضة الأطفال… كانت حرارة جسمهم هتنزل لمستوى خطير جدًا.”

رفع الجميع رؤوسهم.

وأضاف الطبيب:

“هي أنقذت حياتهم.”

ساد صمت ثقيل.

أما محمود…

فبدأ العرق يتجمع على جبينه رغم برودة الجو.

وفي اللحظة نفسها، دخل أحد الحراس وهو يلهث، وقال بصوت مرتفع:

“يا باشا… لقينا حاجة غريبة جدًا في مخزن الصيانة.”

التفت عمر إليه.

ابتلع الحارس ريقه وقال:

“لقينا نسخة من مفتاح خزنة أوضة حضرتك… ومتخبية جوه دولاب الأستاذ محمود.”

وانقلبت نظرات الاتهام كلها في ثانية واحدة…

لكن محمود لم ينتظر ليدافع عن نفسه.

بل استدار فجأة…

وركض بأقصى سرعة نحو الباب الخارجي.

يتبع…اندفع محمود خارج غرفة الأمن كالمجنون.

صرخ عمر:

“امسكوه!”

انطلق الحراس خلفه، بينما كان محمود يركض بين مباني المزرعة، يعرف كل طريق فيها أكثر من أي شخص.

قفز فوق سور منخفض، ثم اتجه نحو الجراج الخلفي.

وصل إلى سيارة الدفع الرباعي، وأخرج المفاتيح بيد مرتعشة.

لكن قبل أن يدير المحرك…

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى