قصص و روايات

ازل وشاهين

وقفت.

وكانت المرة الأولى التي تقف أمام أمها بلا خوف.

— إنتِ ما عملتيش اللي كل أم تعمله. إنتِ عملتي اللي الناس كانوا مستنيينه منك.

مقالات ذات صلة

شهقت الأم.

— يعني أنا وحشة؟

— أنا ما قلتش كده.

— أمال بتقولي إيه؟

قالت أزل ببطء:

— بقول إنك اخترتي كلام الناس عليا.

ثم سكتت لحظة وأكملت:

— واخترتي راجل عنده فلوس بدل بنتك.

ارتجفت شفتا أمها.

— أنا كنت عايزة أأمن مستقبلك.

— وأنا كان عندي تمنتاشر سنة. مستقبلي كان حقي أنا.

لم ترد الأم.

وأزل أيضًا لم تنتظر ردًا.

اتجهت نحو السلم.

وقبل أن تصعد، سمعت أمها تقول من خلفها:

— شاهين رجع.

توقفت قدمها على الدرجة الأولى.

بقي ظهرها إلى أمها.

لم تسأل من هو.

لم تحتج.

ذلك الاسم وحده كان يعرف كيف يفتح بابًا ظنت أنها أغلقت عليه منذ زمن.

قالت أمها:

— من كام سنة.

أجبرت أزل نفسها على أن تبدو عادية.

— طيب.

— طيب بس؟

— عايزاني أقول إيه؟

ضحكت أمها بسخرية.

— ولا حاجة. أنا بقولك بس علشان ما تتفاجئيش لو شوفتيه.

صعدت أزل.

لكن خطواتها لم تعد ثابتة.

في الليل، لم تستطع النوم.

كان آدم في الغرفة المقابلة، والبيت غارقًا في السكون.

أما هي، فجلست على حافة السرير القديم تحدق في النافذة.

كانت الشجرة نفسها لا تزال موجودة خارجها.

أصغر مما تتذكر.

أو ربما هي التي كبرت.

شاهين رجع.

ردد عقلها الجملة مرارًا.

تساءلت كيف يبدو الآن.

هل تزوج؟

هل له أولاد؟

هل صار يشبه أباه؟

هل ما زال غاضبًا؟

وهل تذكرها أصلًا؟

ثم ضحكت من نفسها.

خمسة عشر عامًا.

من السذاجة أن تتخيل أن إنسانًا قد يظل واقفًا في مكانه كل هذا الوقت.

أغلقت عينيها.

لكنها رأت وجهه كما كان.

شابًا في الحادية والعشرين.

يقف عند طرف الغيط.

ويقول:

“ممكن أسامح الدنيا كلها… إلا إنتِ.”

فتحت عينيها بسرعة.

قالت لنفسها:

— خلص.

لكن القلب لا يفهم الأوامر بسهولة.

بعد ثلاثة أيام بدأت أزل إجراءات العمل في الوحدة الصحية المركزية التي عُرض عليها الانتقال إليها مؤقتًا قبل تولي منصب إداري أكبر في المدينة.

كانت الوحدة قد خضعت لتطوير واسع، وبدت أفضل بكثير مما تتذكره من سنوات طفولتها.

مبنى جديد.

قسم أطفال.

معمل تحاليل.

غرف كشف حديثة.

وقفت أزل في الممر تتحدث مع مدير الوحدة.

قال:

— الجناح الجديد لسه ناقص شوية تجهيزات، بس إن شاء الله خلال شهر يبقى شغال.

سألت:

— التمويل حكومي؟

هز رأسه.

— جزء. والباقي تبرعات.

— مين متبرع؟

فتح الرجل ملفًا.

— شركة الشاهين للمقاولات والتنمية.

لم تتحرك ملامحها.

لكن شيئًا صغيرًا انقبض داخلها.

قالت:

— الشاهين؟

— أيوه. شركة كبيرة جدًا دلوقتي.

ثم ابتسم:

— صاحبها من بلدنا أصلًا.

تظاهرت بعدم المعرفة.

— مين؟

رفع الرجل حاجبيه باستغراب.

— المهندس شاهين عبد الرحيم.

توقفت أنفاسها للحظة.

تابع الرجل بحماس:

— الراجل ده عامل شغل كبير. بدأ من الصفر تقريبًا. شغال في القاهرة والصعيد وكمان ليه مشاريع بره مصر.

أغلقت أزل الملف الذي بيدها.

— كويس.

— وهو جاي النهارده أصلًا.

رفعت رأسها.

— هنا؟

— آه. فيه اجتماع بعد الضهر بخصوص جناح الأطفال.

لم يعطها القدر وقتًا لتستعد.

ولا هي طلبت.

مرّت الساعتان التاليتان ببطء غير طبيعي.

فحصت مرضى.

كتبت تقارير.

تحدثت مع الممرضات.

لكنها كانت تسمع حركة الباب الخارجي كل مرة يُفتح فيها.

ومع كل خطوة رجولية في الممر، كان قلبها يسبق عقلها.

كرهت ذلك.

كرهت أن يكون لرجل لم تره منذ خمسة عشر عامًا هذا السلطان على نبضها.

قالت لنفسها بعصبية:

— فوقي يا أزل.

ثم جاء الصوت.

صوت رجل يتحدث مع مدير الوحدة في الخارج.

صوت أعمق مما تتذكر.

أهدأ.

أقسى.

لكنها عرفته.

جسدها كله عرفه قبل أن تراه.

بقيت جالسة خلف مكتبها.

دق الباب.

— اتفضل.

دخل مدير الوحدة أولًا.

— دكتورة أزل، أحب أعرفك بالمهندس…

ثم دخل هو.

وتوقف الزمن.

لم يكن شاهين الذي تركته.

كان الرجل الذي صار إليه بعد أن تركته.

أطول مما تتذكر.

أعرض كتفين.

ملامحه حادة، ناضجة، وقد رسم الزمن خطين صغيرين بجوار عينيه.

كان يرتدي قميصًا أبيض بأكمام مرفوعة حتى المرفق، وبنطالًا داكنًا، وساعة سوداء بسيطة.

لا شيء فيه استعراضي.

لكن حضوره وحده ملأ الغرفة.

نظر إليها.

وتوقفت عيناه.

لم يبدُ عليه الذهول.

وهذا أزعجها أكثر.

قال مدير الوحدة:

— المهندس شاهين عبد الرحيم.

ثم ابتسم.

— والدكتورة أزل الشافعي، الاستشارية الجديدة عندنا.

امتدت ثوانٍ طويلة.

ثم قال شاهين:

— أعرفها.

جاء صوته باردًا.

ردت أزل:

— وأنا أعرفه.

نظر مدير الوحدة بينهما.

— آه صح… إنتوا قرايب.

قال شاهين:

— قرايب.

كانت الكلمة محايدة.

لكنها شعرت بما وراءها.

وقف صامتًا.

فقالت هي:

— أهلًا يا شاهين.

لم يقل “أهلًا”.

قال:

— حمد لله على السلامة.

— الله يسلمك.

نظر إليها طويلًا.

— رجعتي في الآخر.

فهمت المعنى.

لم يكن يقصد مصر.

ولا القرية.

قالت:

— كل واحد بيرجع لحاجات كان فاكر إنه خلص منها.

ارتفع طرف فمه قليلًا.

— واضح.

تدخل المدير:

— طيب نبدأ الاجتماع؟

قال شاهين دون أن يرفع عينه عنها:

— نبدأ.

جلسوا حول طاولة صغيرة.

أزل أمامه.

ومدير الوحدة إلى الجانب.

بدأ الحديث عن توسعة جناح الأطفال.

عرض شاهين المخطط.

قال:

— المساحة الحالية تسمح بثمانية أسرة أطفال وأربع حضانات.

قلبت أزل الأوراق.

— قليل.

رفع عينه.

— قليل بالنسبة لإيه؟

— لعدد الحالات.

— الإحصائية اللي عندي بتقول إن المتوسط أقل من كده.

قالت:

— الإحصائية اللي عندك قديمة.

— من ست شهور.

— وأنا بتكلم عن آخر شهرين.

مال في مقعده.

— ولسه حضرتك بقالك تلات أيام هنا.

— راجعت الملفات.

— كلها؟

— آه.

نظر لها لحظة.

ثم قال:

— تمام. نقدر نزود سريرين.

هزت رأسها.

— أربعة.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— أربعة؟

— على الأقل.

— وإنتِ شايفة المساحة هتتمدد لوحدها؟

— نضم المخزن الخلفي.

قال مدير الوحدة مترددًا:

— المخزن فيه أجهزة…

ردت:

— تتنقل.

قال شاهين:

— وتتخزن فين؟

— يتبني مخزن خارجي.

رفع حاجبه.

— بالمجان؟

نظرت إليه مباشرة.

— حضرتك صاحب شركة كبيرة. أكيد عارف إن المشاريع الصحية مش أحسن مكان نوفر فيه على حساب الناس.

ساد الصمت.

مدير الوحدة خفض عينيه للأوراق.

أما شاهين فقال:

— وأنا كمان عارف إن الميزانيات مش مفتوحة.

قالت أزل:

— يبقى نزود التمويل.

ضحك شاهين بخفة.

— بسهولة كده؟

— المرض مش بيستنى الميزانية.

— والشركة مش جمعية خيرية.

— بس حاطين اسمها على المبنى.

تغيرت نظراته.

قال مدير الوحدة بسرعة:

— دكتورة أزل قصدها…

رفع شاهين يده.

— أنا فاهم قصدها.

ثم مال قليلًا نحوها.

— حضرتك عايزة كل حاجة مرة واحدة.

قالت:

— لما تخص حياة طفل، آه.

— ولسه زي ما إنتِ.

توقفت.

مدير الوحدة نظر إليهما.

قالت أزل ببرود:

— يعني؟

— عايزة الدنيا تمشي على مزاجك.

أغلقت الملف.

— لأ. عايزة الصح يتعمل.

— وإنتِ طبعًا صاحبة تعريف الصح؟

— في شغلي؟ غالبًا آه.

ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه.

— الثقة زادت.

قالت:

— والخبرة كمان.

استمر التحديق بينهما لحظة أطول مما ينبغي.

ثم قال شاهين:

— تمام.

التفت لمدير الوحدة.

— ضموا المخزن. وأنا هتحمل تكلفة البناء الخارجي.

تفاجأ الرجل.

— بجد؟

— آه.

ثم نظر إلى أزل.

— بس بشرط.

رفعت حاجبها.

— إيه؟

— الدكتورة أزل تتابع خطة التشغيل بنفسها.

قالت:

— معنديش مشكلة.

— وتتحمل مسؤولية قرارها.

قالت دون تردد:

— متعودة.

تبدلت ملامحه لجزء من الثانية.

كأن الكلمة أصابته في مكان ما.

لكن سرعان ما عاد البرود إلى وجهه.

انتهى الاجتماع.

خرج مدير الوحدة ليجري اتصالًا.

وبقيت أزل تجمع الأوراق.

كان شاهين لا يزال واقفًا.

شعرت بعينيه عليها.

قالت دون أن تنظر إليه:

— محتاج حاجة؟

— لأ.

— أمال واقف ليه؟

— ببصلك.

رفعت رأسها بحدة.

— نعم؟

قال بهدوء:

— بشوف الخمستاشر سنة عملت فيكي إيه.

تصلبت.

— وطلعت بإيه؟

— حاجات كتير.

— زي؟

اقترب خطوة واحدة.

— بقيتي بتبصي في عين اللي قدامك وإنتِ بتتكلمي.

قالت:

— كنت ببص زمان.

هز رأسه.

— لأ. آخر مرة شوفتك فيها كنتِ بتبصي في الأرض.

ألمتها الذكرى.

قالت:

— الناس بتتغير.

— فعلًا.

ثم سأل:

— كنتي سعيدة؟

لم تتوقع السؤال.

— إيه؟

— مع مراد.

وضعت الملف بقوة فوق المكتب.

— السؤال ده مش من حقك.

— يبقى الإجابة لأ.

— شاهين.

— نعم؟

— متدخلش في حياتي.

ابتسم ببرود.

— متقلقيش. آخر حاجة عايزها إني أدخل حياتك.

شيء ما وخزها.

قالت:

— كويس.

— جدًا.

أخذ مفاتيحه من فوق الطاولة.

وقبل أن يخرج، قالت:

— وإنت؟

توقف.

— أنا إيه؟

— اتجوزت؟

أدار وجهه إليها ببطء.

وهنا فقط أدركت أنها لم يكن يجب أن تسأل.

ابتسم.

لكن لم تصل الابتسامة إلى عينيه.

— ليه؟

— سؤال عادي.

— إنتِ عمرك ما كنتي شاطرة في الأسئلة العادية.

قالت:

— خلاص متجاوبش.

اتجه إلى الباب.

ثم قال دون أن يلتفت:

— متجوزتش.

جف حلقها.

خرج.

وبقيت وحدها.

في طريق العودة، ظلت الجملة تطاردها.

متجوزتش.

رفض عقلها أن يعطيها معنى أكبر.

ربما لم يجد المناسبة.

ربما لم يرغب.

ربما عاش علاقات.

ربما…

أوقفت نفسها.

ما شأنها أصلًا؟

دخلت البيت ووجدت آدم جالسًا مع رجل في الحديقة.

توقفت.

كان شاهين.

يرتشف الشاي وكأنه في بيته.

أما آدم فكان يضحك.

اقتربت أزل.

— إيه ده؟

نظر آدم لها بحماس.

— ماما! عمو شاهين كان بيحكيلي عن الخيل اللي عنده.

عمو شاهين.

كانت الكلمة غريبة.

رفع شاهين عينيه إليها.

— ابنك مؤدب.

قالت:

— عارفة.

— وذكي.

— برضه عارفة.

ضحك آدم.

— ماما بتتواضع جدًا زي ما إنت شايف.

لمعت عين شاهين بشيء كاد يكون ضحكة.

قال:

— واضح.

جلست أزل مضطرة.

سألت آدم:

— اتعرفتوا إزاي؟

قال:

— هو اللي عرفني.

ثم نظر إلى شاهين.

— صح؟

قال شاهين:

— شوفته واقف عند الأرض الصبح وسألني عن الحصان.

قال آدم:

— عمو شاهين قالي يعلمني ركوب.

نظرت أزل إليه فورًا.

— لأ.

سكت آدم.

أما شاهين فقال:

— ليه؟

— كده.

— كده دي مش إجابة.

التفتت إليه.

— وإنت مش محتاج إجابة.

قال آدم وهو يشعر بالتوتر:

— خلاص يا ماما، عادي.

نظر شاهين إلى الولد، ثم إليها.

— لو والدتك وافقت، تعالى أي وقت.

قالت أزل:

— مش هييجي.

ابتسم شاهين.

— خلاص.

نهض.

صافح آدم.

— اتبسطت إني عرفتك.

— وأنا كمان.

ثم التفت إلى أزل.

— سلام يا دكتورة.

قالت:

— سلام.

مشى.

ظل آدم يتابعه بعينيه.

ثم قال:

— راجل جامد.

قالت أزل بسرعة:

— عادي.

نظر لها آدم.

— إنتوا مش بتحبوا بعض؟

كادت تختنق.

— مين قالك؟

— طريقة كلامكم.

— إحنا قرايب ومختلفين في حاجات قديمة.

قال آدم:

— إيه الحاجات؟

— حاجات كبار.

— أنا بقيت كبير.

— لما تبقى أربعين سنة أبقى أحكيلك.

ضحك.

ثم قال:

— بس هو بيحبك.

تجمدت.

— إنت بتقول إيه؟

هز كتفيه.

— الطريقة اللي بيبصلك بيها.

قالت بعصبية أسرع مما قصدت:

— متقولش كلام مش فاهمه.

سكت آدم.

ندمت فورًا.

قالت:

— آسفة.

ابتسم.

— عادي.

لكن أزل لم تكن بخير.

بعد يومين، جاءها اتصال من المدرسة.

آدم دخل في مشاجرة.

وصلت أزل مذعورة.

وجدت ابنها جالسًا في مكتب المدير، وشفته مجروحة.

قالت:

— آدم!

قام.

— أنا كويس.

— إيه اللي حصل؟

سكت.

قال المدير:

— حصلت مشادة بينه وبين طالب أكبر منه.

قالت أزل:

— ليه؟

لم يرد آدم.

كرر المدير:

— الطالب قال كلام مش مناسب عن والدته.

تغير وجهها.

— كلام إيه؟

قال آدم بسرعة:

— مش مهم.

قالت:

— مهم.

خفض عينيه.

قال المدير:

— شوية كلام عن إن حضرتك رجعتي أرملة… وإنك بتتعاملِي مع المهندس شاهين.

شعرت أزل بالدم يصعد إلى وجهها.

لم تحتج أن تسأل من أين بدأت الأقاويل.

القرية لا تتغير.

قالت لآدم:

— وضربته؟

قال:

— هو اللي بدأ.

— وأنا بسألك ضربته؟

— أيوه.

أغمضت عينيها.

— هنكمل الكلام في البيت.

وفي اللحظة نفسها فُتح الباب.

ودخل شاهين.

وقفت أزل.

— إنت بتعمل إيه هنا؟

قال المدير:

— أنا اتصلت بالمهندس شاهين. المدرسة تبع المؤسسة اللي بيدعمها.

نظر شاهين إلى آدم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى