قصص و روايات

كيس لحمة

المكان كله غرق في الظلام.
وصوت الإنذار كان بيدوي في كل الممرات.
الضابط صرخ
محدش يتحرك لوحده!
لكن في نفس اللحظة، سمعنا صوت جري.
الكشافات اشتغلت.
جرينا ناحية الصوت.
وصلنا لآخر الممر، لقينا باب حديد مفتوح.
خلفه نفق ضيق.
دخلت قوة من الشرطة.
بعد حوالي خمسين متر، النفق انتهى عند مخزن قديم.
لكن الراجل اختفى.
كان سايب حاجة واحدة بس.
ساعة يد.
الضابط لبس جوانتي ومسَكها.
وقلبها.
كان محفور من جوه
إلى أحمد… سامحني.
بصيت للضابط.
قلت
دي ساعة جوزي.
قال
واضح إنها كانت مع الشخص اللي هرب.
وفي نفس الوقت، الفني نادى من فوق
يا فندم… قدرنا نسترجع جزء من ملفات اللابتوب.
رجعنا بسرعة.
فتحوا أول ملف.
كان عبارة عن فيديو.
شغلناه.
ظهر جوزي.
قاعد قدام الكاميرا.
واضح إنه كان متوتر.
وقال
لو الفيديو ده بيتشاف، يبقى أنا يا إما هربت… يا إما مت.
حبست نفسي.
كمل كلامه
أنا غلطت لما سمعت كلام أمي، لكن في شخص كان بيهددنا كلنا.
طلع صورة قدام الكاميرا.
الصورة كانت لنفس الراجل اللي في صورة حماتي القديمة.
وقال
اسمه الحقيقي مش حسن الجمال.
الضابط قرب من الشاشة.
جوزي كمل
اسمه… محمود الرفاعي.
وفجأة…
الفيديو وقف.
الفني قال
باقي الملف اتحذف.
وفي اللحظة دي، رن موبايل الضابط.
رد.
وسكت.
ثم قال
إحنا جايين حالًا.
قفل المكالمة، وبصلي.
قلت
في إيه؟
قال
لقوا عربية جوزك.
اتحركنا بسرعة.
العربية كانت واقفة على طريق زراعي.
الأبواب مفتوحة.
المفاتيح في الكونتاكت.
لكن مفيش حد.
وأثناء تفتيش العربية، أحد العساكر طلع ظرف من تحت الكرسي.
كان مكتوب عليه بخط جوزي
لو العربية اتلاقت قبل ما أرجع… اعرفوا إن محمود سبقكم بخطوة.
وقبل ما الضابط يقفل الظرف، سمعنا صوت عربية بتقف بعيد.
كلنا بصينا.
نزل منها راجل كبير في السن.
رفع إيده وقال
أنا أعرف محمود الرفاعي… ولو كنتوا عايزين تقبضوا عليه، يبقى لازم تسمعوا اعترافي الأول.
يتبع…نزل الراجل من العربية وهو ماسك عصاية، ووشه كان باين عليه الإرهاق.
الضابط سأله
إنت مين؟
قال
اسمي عادل… واشتغلت مع محمود الرفاعي أكتر من عشرين سنة.
اتقبض عليه واتاخد على القسم.
أول ما قعد، قال
أنا مش جاي أنكر… أنا جاي أصلح آخر غلطة عملتها.
فتح شنطة جلد قديمة، وطلع منها ملف.
الملف كان مليان صور وإيصالات وتحويلات.
لكن أكتر حاجة لفتت انتباه الضابط كانت صورة لجوزي.
الصورة كانت بتاريخ قبل جوازنا بست شهور.
وجوزي واقف قدام محل الجزارة اللي القضية كلها بدأت منه.
قلت
يعني أحمد كان يعرفه من قبل الجواز؟
عادل هز راسه وقال
كان يعرفه… لكن مش بإرادته.
الضابط سأله
وضح كلامك.
قال
أحمد كان عليه ديون بسبب مشروع فشل، ومحمود استغل ظروفه. قاله اشتغل معايا سنة، وأنا هسدد كل ديونك.
في الأول كان شغل عادي.
توصيل بضاعة، وإنهاء أوراق.
وبعدين بدأ يطلب منه يفتح شركات ومحلات بأسماء ناس من معارفه.
أحمد رفض.
لكن محمود هدده بالدين وبالحبس.
سألته وأنا بغضب
وليه استخدمني أنا؟
بص في الأرض وقال
لأن أم أحمد هي اللي اقترحت اسمك. كانت شايفة إنك بتثقي فيهم ومش هتراجعي أي ورقة تمضيها.
السكوت خيّم على الغرفة.
الضابط قلب آخر ورقة في الملف.
ولقى كشف تحويلات.
كل الفلوس كانت بتخرج من المحلات وتدخل حسابات مختلفة.
وفي آخر التحويلات…
كان فيه حساب باسم شركة الأمان للاستيراد.
الضابط قال
دي أول مرة يظهر اسم الشركة دي.
وفي نفس اللحظة، دخل ضابط تاني ومعاه خبر جديد
يا فندم… لقينا أحمد.
وقفت من مكاني.
قلت
فين؟
رد
في المستشفى.
جريناكلنا.
دخلت أوضة الطوارئ.
لقيت جوزي على السرير، مصاب لكنه صاحي.
أول ما شافني، قال بصوت ضعيف
أنا عارف إنك مش هتسامحيني… لكن اسمعيني دقيقة.
قربت منه.
طلع من تحت المخدة مفتاح صغير.
وحطه في إيدي.
وقال
ده مفتاح المكتب اللي محمود مخبي فيه كل العقود الأصلية… لو وصلتوله، هتعرفي الحقيقة كلها.
وقبل ما أكلمه، دخل الدكتور وقال
لازم يخرج دلوقتي يعمل أشعة.
أخدوه على السرير وخرج.
لكن بعد عشر دقائق…
رجع الممرض يجري وهو بيصرخ
المريض اختفى!
كل الموجودين جَروا على أوضة الأشعة.
كانت فاضية.
الشباك مفتوح.
وعلى السرير، ورقة واحدة مكتوب فيها
متدوروش على أحمد… هو اللي رايح يجيب محمود بنفسه بعد 48 ساعة من اختفاء أحمد، البلد كلها كانت بتتكلم عن القضية.
وفجأة…
رن تليفون الضابط.
المكالمة كانت قصيرة.
لكن بعدها ابتسم لأول مرة من بداية القضية.
قال
لقيناه.
خرجت قوة كاملة إلى مخزن قديم خارج المدينة.
ولما دخلوا…
لقوا أحمد واقف، رافع إيده، وبجانبه رجل آخر مكبل بالحبال.
قال أحمد
ده محمود الرفاعي… هربت من
المستشفى عشان كنت عارف إنه هيغير مكانه أول ما يعرف إن الشرطة قربت منه.
اتقبض على محمود، واتعرض على النيابة.
ومع التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
اتضح إن محمود كان بيدير شبكة بتستغل أشخاصًا بسطاء، وتفتح شركات ومحلات بأسمائهم باستخدام توقيعات حصل عليها بالخداع أو مستندات مزورة.
أما حماتي…
فاعترفت قبل وفاتها إنها شاركت في استغلالي، وإنها كانت تظن إن الموضوع مجرد تهرب من الديون، لكنها اكتشفت بعد كده إنه أكبر من كده بكتير، وخافت تبلغ.
وجوزي…
اعترف إنه أخطأ لما سكت، ولما سلّم صورة بطاقتي، ولما سمح لأمه تستخدم اسمي، لكنه قرر في النهاية يساعد الشرطة بعد ما عرف حجم الكارثة، ولذلك سلّم كل الأدلة اللي كانت مخبية مكان العقود الأصلية.
وبعد شهور من التحقيقات، صدر الحكم.
حُكم على محمود وشركائه بالسجن لسنوات طويلة في ، بينما حصلت أنا على حكم ببراءة ساحتي بعد ثبوت أن اسمي استُخدم دون علمي في كثير من الإجراءات.
أما أحمد…
خرج من القضية ببراءة في بعض الاتهامات، وأُدين في الاتهامات التي ثبتت عليه بسبب مشاركته وسكوته، ونال عقوبته القانونية.
بعد انتهاء كل شيء، رجعت البيت.
فتحت الفريزر.
كان فاضي.
قفلته وأنا بافتكر إن كل المصيبة بدأت من كيسلحمة كنت بطلعه كل يوم جمعة وأنا فاكرة إني بعمل خير.
واتعلمت درسًا مش هنساه طول عمري
الخير عمره ما يضيع، لكن الثقة لازم يكون ليها حدود. ومهما كان اللي قدامك قريب، ما تمضيش أي ورقة من غير ما تقراها، وما تسلمش مستنداتك الشخصية لحد من غير سبب واضح.
تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى