قصص و روايات

حمايا الراحل

وقتها… في العياط.

عياط راجل مكبوت سنين.

قعدت على كرسيه، وحطيت العكاز جنب رجلي، وحسيت إني لأول مرة فاهم معنى الوحدة اللي كان عايشها.

مقالات ذات صلة

من اليوم ده، حاجات كتير اتغيرت.

يوسف نقل أوضته بنفسه وقال: —دي هتفضل باسم جدو.

وسلمى علقت صورته جنب السفرة.

أما هالة… فبقت كل ليلة تدعيله وهي بتعيط.

سامح وإخواته اختفوا تقريبًا بعد ما فشلوا ياخدوا أي حاجة. وعرفت بعدها إن سامح كان غرقان ديون، وجاي العزا أصلًا يدور على أي مصلحة.

لكن الغريب… إني ما بقيتش أكرهه.

لأن الحاج عبد الرحيم علمني حاجة متأخر:

إن الإنسان اللي قلبه مليان مرارة… بيعيش معذب أكتر من أي حد حواليه.

بعد شهور، نزلت المقابر لوحدي.

وقفت قدام قبره وأنا ماسك الراديو القديم.

وقلت بصوت مكسور: —سامحني يا حاج… سامحني يا أبويا التاني.

أصل الحقيقة إني عمري ما كنت بقعد معاهم. دايمًا مرهق، متنرفز، أو ساكت.

قعدنا ناكل لأول مرة من سنين من غير خناق.

وفي نص الأكل، يوسف ضحك على حاجة قالتها سلمى.

الضحكة كانت بسيطة جدًا… لكنها رجعتلي إحساس كنت فاكره مات.

إحساس البيت.

بعدها بأسابيع، بدأت أصلح أوضة الحاج عبد الرحيم.

مش علشان أشيل أثره… بالعكس.

كنت عايز أحافظ عليه.

دهنت الحيطان، وغيرت الشبابيك القديمة، وحطيت صورته الكبيرة فوق الراديو.

هالة دخلت بعد ما خلصت وبكت.

قالت وهي بتلمس الصورة: —أبويا عمره ما كان يحلم بكل ده.

رديت بصوت واطي: —وأنا عمري ما كنت أستاهل حبه.

في نفس الليلة، الباب خبط.

فتحت… لقيت راجل كبير واقف بعكاز.

ملامحه خلت قلبي يقف لحظة.

كان شبه الحاج عبد الرحيم بطريقة مرعبة.

الراجل قال: —أنت محمود؟

—أيوه.

مد إيده المرتعشة: —أنا فوزي… صاحب الحاج عبد الرحيم من أكتر من أربعين سنة.

دخل وقعد في البلكونة فورًا، كأنه حافظ البيت.

بص حوالين المكان وابتسم بحزن: —هنا كان بيحب يقعد.

أنا جبتله شاي وسكت.

لكن الراجل فجأة قال: —عبد الرحيم كان بيحبك أوي يا محمود.

بلعت ريقي: —عرفت متأخر.

هز راسه وقال: —لا… إنت لسه ما تعرفش كل حاجة.

قلبي انقبض.

طلع من جيبه صورة قديمة وادهاني.

الصورة كانت لأبويا… واقف جنب الحاج عبد الرحيم قدام ورشة صغيرة.

لكن اللي … طفل صغير واقف بينهم.

أنا.

بصيت للصورة بذهول: —دي إمتى؟

فوزي ابتسم: —اليوم اللي أبوك فيه.

حسيت .

قال بهدوء: —أنت فاكر إن عبد الرحيم جه يعيش عندكم بعد وفاة أبوك؟ لا يا ابني… عبد الرحيم من يومها ما سبكش أصلًا.

وبدأ يحكي.

بعد موت أبويا، أمي دخلت في انهيار عصبي شديد. وأنا كنت طفل تايه، شبه مشرد، أهرب من المدرسة وأتخانق في الشوارع.

قال إن الحاج عبد الرحيم كان يراقبني من بعيد كل يوم.

هو اللي كان يدفع مصاريف المدرسة لما أمي تبيع حاجتها علشان الأكل.

هو اللي كان يبعت لصاحب البيت الفلوس قبل ما يطردنا.

هو اللي دفع تمن العلاج لما جالي حمى شديدة وأنا عندي عشر سنين.

أنا كنت فاكر أمي هي اللي بتعمل ده كله.

لكن الحقيقة… إن الراجل اللي أنا احتقرته كان بيحميني من زمان جدًا.

فوزي مسح دمعة من عينه: —عبد الرحيم ما خلفش راجل يشيله في كبره… فاختارك إنت من غير ما تحس.

أنا ما قدرتش أتحمل.

قمت فجأة ودخلت الحمام وقفلت على نفسي.

وبكيت.

بكيت بطريقة عمري ما بكيتها حتى يوم دفن أبويا.

لأن الوجع الحقيقي مش إنك حد بيحبك…

الوجع الحقيقي إنك تكتشف متأخر أوي قد إيه كنت محبوب.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى