ارملة اخو جوزي

أميرة اتخضت وقامت وقفت والتليفون هيقع من إيدها، وشها أصفر وزرّق في ثانية:
“حسين؟! في إيه؟ مين قالك الكلام ده؟ هي سعاد راحت اشتكت لك؟”
حسين صرخ فيها بغل:
“سعاد أنضف منك ومن أهلك! سعاد مرات الراجل اللي أكلني وشربني وعملني راجل! أنتِ نسيتي نفسك يا أميرة؟ نسيتي إن الفلوس اللي بتصرفيها دي من خير أخوه؟ تشغليها تلات أيام وتديها 600 جنيه وتقولي لها بتشحتي؟! وحياة جزمة محمود الله يرحمه، لو ما نزلتِ دلوقتي حالا على بيت أمي، وتبوسي على جزمة سعاد وتعتذري لها قدام أمي وتديلها حقها كامل، ليكون ورقتك واصلة لبيت أهلك قبل ما الليل يليل، ولا تصرفي جنيه واحد من الفلوس اللي ببعتها تاني!”
أميرة أكلت شفتيها من الخوف والذهول، دموع الرعب نزلت من عينها وهي حاسة إن بيتها بيتخرب وعرشها بيتهد في ثانية:
“يا حسين استهدى بالله.. أنا ما قصدتش، أنا…”
حسين قاطعها بصوت قاطع زي السيف:
“ولا كلمة! قدامك نص ساعة.. تنزلي بيت أمي، وتراضيها، وتديلها ألفين جنيه تحت رجلها، وتعتذري لها كلمة كلمة.. وإلا انسى إن ليكي راجل اسمه حسين!”
قفل حسين السكة في وشها، وساب أميرة واقفة في وسط الصالة الشقة النظيفة المعطرة، بس قلبها كان بيموت من الخوف والكسرة. عرفت إن الله حق، وإن دعوة المظلوم واليتيم ملهاش حجاب، وإن سعاد اللي كانت فاكراها ضعيفة وملهاش حد، وراها ضهر وسند ما يتهزش.
نزل أميرة السلم وهي بترتعش، وخطواتها ثقيلة، رايحة لبيت العيلة وهي عارفة إنها هتدفع ثمن الافتراء والظلم، وإن سعاد وعيالها خلاص.. حقهم جيلهم مرفوع الرأس.
الجزء الثالث:
وقفت “أميرة” على باب شقة الحاجة فاطمة وهي حاسة إن السلم نفسه بيميد بيها. جبهتها عرقانة، وإيدها المفروضة على طرف الطرحة بترتعش وهي بتمسح دموع الرعب. كانت متعودة تنزل البيت ده وهي رافعة رأسها، تتبغدد بفلوس الخليج وتتكلم بمنظار، بس المرة دي نازلة وكسرتها سبقاه.
خبطت على الباب خبطة خفيفة، خائفة، كأنها خائفة من الصوت نفسه.
جوة الصالة، كانت سعاد قاعد جنّب الحاجة فاطمة، بتمسح دموعها بمهل، والحاجة فاطمة ماسكة سبحتها وبتتمتم بالدعاء. أول ما الباب اتخبط، الحاجة فاطمة بصت لسعاد وقالت بصوت ثقيل:
“قومي افتحي يا سعاد.. قومي وشوفي الفرج وهو داخلك مرفوع الرأس.”
سعاد قامت ببطء، فتحت الباب.. أول ما العيون اتلاقت، أميرة نزلت عينها في الأرض على طول، وشها كان أصفر زي الليمونة المعتورة، وصوتها طلع بالعافية، مخنوق بالدموع:
“سعاد… أنا… أنا آسفة يا أختي.”
الحاجة فاطمة صرخت من جوة وهي قاعدة على الدكة:
“ادخلي جوة يا بت! الكلام ده ما يتقالش على العتبة.. ادخلي انظري إيد ورأس مرات أخو جوزك اللي استقليتي بيها واستغليتي يتاماه!”
دخلت أميرة الشقة بخطوات مكسورة، رجليها مش شايلها. قربت من سعاد، وحاولت تمسك إيدها عشان تبوسها، بس سعاد سحبت إيدها بهدوء وعزة نفس، وقالت وهي باصة في عينها بثبات:
“أنا مش عاوزة بوس إيدين ولا راس يا أميرة.. أنا مش خدامة عشان تزليني، ولا شحاتة عشان ترمي لي القرشين وتصرخي في وشي. أنا دخلت بيتك بدراعي عشان أطعم عيال أخو جوزك من حلال، لكن أنتِ استكبتي وتكبرتي.”
أميرة قعدت تبكي بحرقة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها على الترابيزة الخشب قدام الحاجة فاطمة:
“والله ما كنت أقصد يا حاجة.. حسين اتصل بيا وكان حايطلقني ويرميني في الشارع. ادي الفلوس اهي.. الفين جنيه زي ما حسين قال، وعليها يمين طلاق إني ما ألمس قرش من اللي بيبعته غير لما سعاد تاخد ماهيتها وزيادة.”
الحاجة فاطمة بصت للفلوس بقرف، وبعدين بصت لأميرة وقالت:
“الفلوس دي مش حسنة منك.. دي حقها وعرق جبينها في سحلة التلات أيام، وحق عيال محمود اللي نسيتيهم. والفلوس دي مش هي اللي هتغسل قلة أصلك.. اللي هيغسله إنك تعرفي مقعدك كويس، وتعرفي إن بيت العيلة ده له رب يحميه، وإن سعاد دي خط أحمر.. لو سمعت منك كلمة تجرحها تاني، أو شوفتك تبصي لها بقلة قيمة، قسمًا بالله لأخلي حسين يكتب الشقة دي باسم عيال أخوه، ويرميكي لبيت أهلك بشنطة هدومك!”
أميرة هزت رأسها بالوافقة وهي بتبكي ومش قادرة ترد، كرامتها اللي كانت بتبني فيها بالافتراء أتدكت في لحظة تحت رجليها. بصت لسعاد وقالت بصوت متقطع:
“سامحيني يا سعاد.. عشان خاطر العيال اليتامى وعشان خاطر المرحوم.”
سعاد بصت لها بنظرة طويلة.. نظرة فيها وجع السنين والكسرة، بس كان فيها كمان سامح القوي اللي أخد حقه. اتنهدت سعاد وقالت:
“الله يسامحك يا أميرة.. المسامح ربنا، بس الدرس ده ما تنسيهوش. العيال اليتامى دول مالهمش غير ربنا وعمهم، والقرش اللي يدخل بيتك ومفيهوش بركة دعوة غلبان، بيتحرق ويحرق صاحبه.”
خرجت أميرة من البيت جارية على السلم كأنها هربانة من فضيحة، وسابت الفلوس على الترابيزة.
سعاد بصت للورقيات المالية، وبعدين بصت للحاجة فاطمة، وقالت بابتسامة مكسورة:
“أنا مش عاوزة ده كله يا حاجة.. أنا كنت عاوزة كر أمتي بس.”








