قصص و روايات

ارملة اخو جوزي

الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها:

“وده حقك يا بتي.. خدي فلوسك، وروحي لعيالك، وانزلي هاتي لهم كل اللي نفسهم فيه. حسين اتصل بالبنك وبيحول لك ماهية شهرية ثابتة باسمك أنتِ، من بكرة الصبح تنزلي تسحبيها مرفوعة الرأس.”

رجعت سعاد شقتها القديمة في الحارة.. الشقة اللي كانت دايماً ضلمة وساكتة. فتحت الباب لقت عيالها الصغار، “أحمد” و”منى”، قاعدين على الأرض بيلعبوا بِلَعَب قديمة ومكسرة، وعلى وشهم أثر الفقر والانتظار.

أول ما شافوها، أحمد قام يجري عليها:

“أمي! جيتي؟ جبتي لنا أكل يا أمي؟”

سعاد اترمت على الأرض وضمتهم هما الاثنين في حضنها، وبكت.. بس المرة دي كانت دموع فرح وأمل. باست رؤوسهم وقالت:

“جبت لكم كل خير يا عيالي.. حقكم جيلكم لحد عندكم، وأبوكم الله يرحمه نام مرتاح النهاردة.”

عدت الأيام، والحال اتغير تماماً. التحويل الشهري من حسين بقى يوصل لسعاد في ميعاده كل أول شهر. قدرت تسدد ديونها القديمة، تشتري للعيال هدوم جديدة للمدرسة، وتملى البيت أكل وخير. وأميرة فوق، بقت تنزل السلم وهي حاطة رأسها في الأرض، كل ما تشوف سعاد تتمنالها الرضا وتتحاشى تتكلم معاها إلا بأدب وشديد الاحترام.

بس الهدوء ده ما طولش..

بعد ست شهور، وفي يوم جمعة، يرن تليفون سعاد.. كان رقم حسين من السعودية.

ردت سعاد بسرعة:

“أهلاً يا حسين يا أخويا.. عامل إيه وصحتك إيه؟”

صوت حسين جيلها المرة دي مش غضبان، بس كان فيه نبرة تعب وإرهاق شديد، نبرة واحد شايل حمول جبال على ضهره:

“أنا بخير يا سعاد.. الحمد لله. طمنيني عنك وعن العيال؟ أمانة عليكِ التحويل بيوصلك مظبوط؟”

“ربنا يخليك ويطول في عمرك يا حسين.. بيوصل ومستورين وأحسن كرم من ربنا ومنك. العيال بيدعولك في كل صلاة.”

حسين سكت شوية، وسعاد حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة في نبرة صوته. كمل حسين بكلام هادي ومتردد:

“سعاد.. أنا نازل مصر أسبوعين إجازة.”

سعاد فرحت وقالت:

“تنور بيتك وأمك يا خويا! الحاجة فاطمة هطير من الفرحة، ده بقالك تلات سنين ما نزلتش!”

حسين اتنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال:

“أنا نازل يا سعاد.. بس مش نازل إجازة وبس. أنا نازل عشان فيه موضوع كبير لازم يتحسم، ومفيش حد أثق فيه يقف جنبي وينصحني بالحق غيرك أنتِ وأمي.”

سعاد استغربت وقالت بقلة صبر:

“خير يا حسين؟ خير يا أخويا في إيه؟ أميرة عملت حاجة تاني؟”

رد حسين بنبرة ملبانة مرار وكسرة:

“أميرة؟ أميرة دي طلعت أقل مشكلة عندي يا سعاد.. أنا اكتشفت حاجة عن الشغل وعن الفلوس اللي كنت ببعتها هنا طول التلات سنين اللي فاتوا.. حاجة تهد البيوت وتخرب العائلات. أنا نازل وفي إيدي أوراق وقضايا.. ولازم الكل يتجمع في بيت أمي أول ما رجلي تطأ المطار.”

سعاد حطت إيدها على قلبها وهي حاسة إن فيه عاصفة جديدة جاية في الطريق، عاصفة مش هتسيب حد في بيت العيلة إلا وتهزه..

الجزء الرابع:

نزلت كلمة حسين على قلب سعاد زي جمرة نار. فضلت ماسكة التليفون بعد ما قفل السكة، عيونها متبتة على الشاشة، وصوت تنهيدته العميقة لسة بيرن في أذنها. “أوراق وقضايا.. وحاجة تهد البيوت!” الكلمات دي كانت كفيلة إنها تطير النوم من عينها باقي الليلة.

أول ما طلع نهار السبت، نزلت سعاد جاري على بيت الحاجة فاطمة. لقت حماتها قاعدة كالعادة على الدكة الخشب، بس السبحة كانت سايبة من إيدها، وعيونها باصة للباب بلهفة وترقب كأن قلب الأم حس قبل أي حد. أول ما شافت سعاد داخلة وشها مصفار وخطواتها مش متظبطة، وقفت الحاجة فاطمة وتسندت على عصايتها:

“خير يا سعاد؟ في إيه يا بت؟ وشك يقطع الخميرة من البيت ليه كده؟”

سعاد قعدت عند رجلها، وشسدت إيدها بطفف وقال بصوت واطي عشان محدش يسمعهم من السلم:

“حسين اتصل بيّا امبارح بالليل يا حاجة.. حسين نازل مصر، وفي خلال يومين هيكون هنا!”

الحاجة فاطمة شهقت من الفرحة، ودموعها نزلت على خدودها المجعدة:

“يا ألف نهار بركة! يا ألف حمد وشكر ليك يا رب.. الولد اللي غاب تلات سنين ويرجع يتملى في حضني؟ ده أنا أذبح تحت رجليه خروفين وأوزعهم على الحارة كلها!”

مسكت سعاد إيد حماتها ورجت بتهدئة:

“اهدّي يا حاجة واسمعيني.. حسين نازل، بس مش نازل مبسوط. حسيت من صوته إنه مكسور، وقال لي كلام يخوف.. قال إنه اكتشف بلاوي عن الفلوس والأوراق اللي كان بيبعتها طول التلات سنين اللي فاتوا، وإن فيه قضايا وأوراق في إيده نازل يحسمها، وقال مش هيأمن يفتح الموضوع ده غير قدامك أنتِ وأنا!”

ضربت الحاجة فاطمة على صدرها، وتحولت الفرحة في ثواني لغيمة سوداء من القلق:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى