ارملة اخو جوزي

“والله ما كنت أعرف يا حسين! سيد هو اللي قال لي نضمن حقنا ونعمل كده عشان لو جرى لك حاجة! هو اللي قنعني واستغل التوكيل!”
سيد وشه جاب ألوان وشاف إن التبليغ والقضايا جاهزة، وحسين مش جاي يتفاوض، ده جاي ومجهزة كل حاجة بالشرطة والمحامين.
سيد قال بصوت متوتر وهو بيتراجع ناحية الباب:
“إحنا إخوات يا حسين.. والموضوع يتحل ودي، مش كده قدام الغرباء!” وبص لسعاد بقرف.
حسين صرخ بصوت هز جدران البيت:
“الغرباء؟! الغرباء دول أنضف منك ومن أختك! سعاد مرات أخويا الشريفة اللي اختها ورميت لها 600 جنيه وعايرتيها بفقرها، هي اللي صانت البيت وقعدت جنب أمي! وأنتِ وأخوكي نهبتوا شقى عمر بالملابين!”
كمل حسين وهو بيبص لأميرة وقرفان منها:
“الأرض دي هترجع باسمي وباسم عيال أخويا محمود اليتامى تالت ومتالت! والأوراق دي طالعة على النيابة العامة بكرة الصبح بقضية خيانة أمانة واستغلال توكيل وتزوير! وأنتِ يا أميرة…”
سكت حسين لحظة، والكل محبوس أنفاسه..
“أنتِ يا أميرة.. طالق! طالق بالثلاثة! وما لكيش قعدة في البيت ده ولا دقيقة واحدة تاني!”
خرج سيد وقفل الباب وراه برجة هزت جدران الشقة، وساب وراه سكون تقيل زيه زي السكوت اللي بيسبق طلقة الرصاص. أميرة فضلت مرمية على الأرض، عياطها بقى شهقات متقطعة مليانة حسرة وخوف، باصة لحسين بعيون مكسورة ترجو منه الرحمة، بس حسين كان وشه زي القطعة الصوان، قاسي ومافيهوش نقطة تراجع.
الحاجة فاطمة مسكت سبحتها بإيد بترتعش، وبصت لحسين وقالت بصوت مهدود:
“يا حسين يا بني.. استهدي بالله. الطلاق مش سهل، وسيد أخوها راجل شراني وممكن يؤذينا أو يعمل حاجة مجنونة. الكلام اللي قاله وهو طالع ده يخوف!”
حسين قرب من أمه، قعد تحت رجلها ومسك إيدها باسها بثبات:
“ما تخافيش يا أمي.. اللي يسكت على حقه مرة، بيتداس عليه العمر كله. أنا سكت على حق أخويا محمود الله يرحمه ولاد أخويا، وربنا كرمني وكشفلي الغمة دي قبل ما أرجع الغربة تاني. سيد ده أجبن من إنه يواجه بالقانون، وده السبب اللي خلاه يهدد ويجري.”
التفت حسين لسعاد اللي كانت واقفة عند الشباك، عيونها بتبص على الشارع من ورا الستارة بتراقب سيد وهو طالع بيجري وركب عربيتة وطار بيها. بصت لسعاد لحسين وقالت بنبرة جادة:
“حسين.. سيد مش هيسيب الورق ده يوصل للنيابة بسهولة. الراجل ده شغال مع حيتان وسمسارة أراضي في المنطقة، ولو حس إن القضية دي هتلبسه في التخشيبة، ممكن يعمل أي حاجة عشان يمسح أثر العقود دي.”
حسين ابتسم ابتسامة باهتة فيها ثقة:
“الورق اللي شافوه ده يا سعاد.. مجرد صور! العقود الأصلية والتقارير البنكية الموثقة في السعودية ومصر، شيلتهم في مكان أمان محدش يخطر على باله. أنا عارف سيد وطمعه كويس من زمان.”
في الوقت ده، أميرة قامت من على الأرض، ودموعها نازلة على وشها المتبهدل، قربت من حسين وقالت بنبرة مكسورة:
“حسين.. عشان خاطر الأيام اللي كانت بينا، بلاش تحبس أخويا. أنا غلطت.. سلمت له عقلي وخليته يستغلني، بس والله ما كنت أعرف إنه هينصب عليك وياخد الأرض باسمه! أنا فاكرة إنه بيحمي فلوسنا!”
حسين بص لها بقرف ورفع صباعه في وشها:
“أنتِ غلطتك مش إنك سلمتِ له عقلك بس.. أنتِ غلطتك إنك نسيتي أصلك، ودستي على الغلبان، وعايرتي مرات أخويا بفقرها وسحلتيها في شقتك عشان تذليها! اللي بيظلم يتيم يا أميرة، ربنا بيسلط عليه اللي يظلمه. أطلمي لبيت أهلك بشنطة هدومك.. وما لكيش قعدة في بيتي ولا دقيقة واحدة تاني.”
أميرة لمّت بقايا كرامتها، وطلعت الشقة فوق بخطوات مكسورة عشان تلم هدومها وتنزل، وسابت بيت العيلة وهو بيغلي من الأحداث.
عدت ساعات الليل ببطء شديد.
الساعة كانت قربت من تلاتة الفجر، والحارة كلها دخلت في نوم عميق. كانت سعاد قاعدة في شقتها القديمة مع عيالها أحمد ومنى، مش جيلها نوم. حاسة بضيقة في صدرها، وشيء غريب بيهمس لها إن لسة فيه حاجة هتحصل. قامت تسحب رجليها وقفت في البلكونة الصغيرة اللي بتطل على البيت الكبير وشارع الحارة الضيق.
فجأة.. لمحت سعاد خيالين نازلين من آخر الشارع بالراحة، ماشيين جنب الجدران في الضلمة. واحد منهم كان شايل في إيده جردل أصفر صغير، والتاني شايل حاجة ملفوفة في قماش.
سعاد دققت عيونها في الضلمة.. القلب ضرب بسرعة لما عرفت جسم الراجل الأولاني: “ده سيد أخو أميرة!”
سيد والتاني قربوا ببطء شديد من باب شقة بيت العيلة اللي تحت—البيت اللي فيه الحاجة فاطمة وحسين نايمين فيه بعد تعب السفر والأحداث. سعاد شافت سيد وهو بيكب سائل ريحته طلعت بسرعة في الشارع.. ريحة بنزين!
التاني طلع ولاعة وشغلها..
سعاد ما فكرتش ولا ثانية! صرخت بأعلى صوت عندها هز الحارة الساكنة كلها:
“الحقووووووني! النار! الحق يا حسين! الحقوني يا ناس البيت ببيتحرق!”
صوت سعاد كان زي الإنذار اللي صحى الشارع كله في ثواني. سيد والتاني اتخضوا لما سمعوا الصريخ، والولاعة وقعت من إيد الراجل ولعت في البنزين على العتبة الخارجية قبل ما يقدروا يرموها جوة! النار مسكت في الباب الخشب القديم بسرعة، وسيد والتاني جروا في الشارع زي الفران.
الحاجة فاطمة قربت منها، مسكت إيدها وحطتها بين إيديها الاثنين وقالت بصوت مليان حكمة وأمومة:
“عارفة يا بتي.. وعارفة إنك صنتي ودادي وداد المرحوم. بس الظروف اتغيرت، وحسين أهو قاعد معانا ومش راجع الغربة تاني، والعيال محتاجين ضل راجل يربيهم ويقف جنبهم وهما بيكبروا. حسين مش غريب يا سعاد.. حسين لحمهم ودمهم، وأولى الناس بيكم، وأنتِ أنضف وأصين ست ممكن تدخل بيته وتصون اسمه.”
حسين كان واقف، يبص لسعاد ولأمه. اتنفس نفس عميق، وخطى خطوتين ناحية أمه وسعاد، وقال بصوت هادي، فيه كل معاني الرجولة والاحترام:
“سعاد.. أمي عندها حق في خوفها على العيال وعلى لمّة البيت، بس أنا مش هفرض عليكي حاجة ولا أطلب منك حاجة تغصبك. أنتِ مرات الغالي، وأختي الشريفة اللي شالت اسم أخويا فوق رأسها. لو وافقتي، فده شرف ليا، وهكون للعيال أب وسند قبل ما أكون عم، وهتكوني في بيتي معززة مكرمة، رأسك مرفوعة ومحدش يمس كرامتك بكلمة طول ما أنا حي على وش الأرض. ولو رفضتي وفضلتي على حالك، فحقك وحق العيال محفوض ومسجل، وهتفضلي أختي وعلى رأسي من فوق.”
سعاد بصت لحسين، شافت في عينيه صدق محمود ورجولته القديمة، شافت حنية العم اللي وقف وقاتل عشان أيتام أخوه، وشافت راجل يصون وما يخونش. بصت لأحمد ومنى وهما بيلعبوا في الصالة، وافتكرت المُر اللي شافته والأيام الصعبة اللي عدت عليها وهي لوحدها.
سعاد بلعت دموعها، وهزت رأسها بابتسامة رضا مكسورة، وقالت بصوت خافت بس مليان يقين:
“اللي تشوفيه يا حاجة فاطمة.. أنا سلمت أمري لله، وحسين راجل وسند، وأنا عارفة إنه مش هيظلم عيال أخوه أبداً.”
الحاجة فاطمة زغردت زغروتة هزت جدران البيت، وفتحت أذرعها وضمت سعاد لحضنها، وحسين ابتسم ابتسامة راحة صافية، كأن غمامة التعب والظلم اتزاحت عن البيت للابد.
بعد شهر واحد..
كان بيت العيلة متزوق ومضيء بالنور. اتعمل كتب الكتاب في جو عائلي هادي، بحضور كبار الحارة والجيران اللي باركوا الجوازة وشهدوا إن الله يعوض الصابرين.
انتقلت سعاد وعيالها للشقة الجديدة في المبنى الجديد، شقة واسعة، يدخلها الشمس والخير من كل مكان. “أحمد” و”منى” بصروا بيعتبروا حسين أبيهم، ينادونه بـ “يا بابا حسين”، وهو بياخدهم في حضنه كل يوم لما يرجع من شغله، يتابع دراستهم، ويشتري لهم كل اللي نفسهم فيه.
أما “أميرة”، فكانت الأيام تدور عليها دورة قاسية. عاشت في بيت أهلها مكسورة، تسمع عن خير سعاد وعزها ونظافة بيتها الجديد، وتتحسر على العرش والنعمة اللي كانت في إيدها وضيعتها بطمعها وقسوة قلبها. عرفت إن ظلم اليتيم دين يسدده الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.
في ليلة جمعة مباركة..
كانت سعاد قاعدة في بلكونة شقتها الجديدة، باصة للسماء والصلاة على النبي على لسانها. حسين جه وقعد جنبها، ومسك كوباية الشاي ودعا لها بالخير.
سعاد بصت له وقالت بامتنان:
“يعلم ربنا يا حسين.. كل ما بفتكر الأيام اللي فاتت والكسرة اللي كنت فيها، بسبح ربنا وبحمده إن الحق ظهر وما ضاعش.”
حسين ابتسم ورّد عليها بثبات:
“الحق ما بيموتش يا سعاد طول ما وراه مطالب.. وأنتِ صبرتي وصنتي وصنتِ بيتك وعيالك، وربنا جعل الصبر ده فرج وعز ليكي ولعيالك.”
وعاشت سعاد في كرم وعز، مرفوعة الرأس، محاطة بحب زوجها ورعاية عائلتها، بعد ما أثبتت الأيام إن الطيب بيفضل طيب، وإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
تمت القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








