قصص و روايات

ارملة اخو جوزي

“فلوس وأوراق؟ يا مري! هي أميرة الهانم عملت إيه من وراه؟ ده كان بيبعت لها شقى عمره أول بأول عشان تشتري حتة أرض وتبني بيت للعيال!”

“ما نعرفش يا حاجة.. هو أصرّ ما يقولش حاجة في التليفون، وقال الكل يتجمع في بيتك أول ما يوصل من المطار. بس المهم دلوقتي، أميرة ما تعرفش إنه نازل، هو طلب مني ما أقولهاش.”

في الشقة فوق، كانت أميرة عايشة في وهمها. من يوم واقعة التنظيف والتهديد بالطلاق، وهي ماشية جنب الحيط، بس جواها نار بالعداوة والغل من سعاد والحاجة فاطمة. كانت فاكرة إن السكوت اللي فرضوا حسين عليها مجرد أزمة وهتعدي، وبقت تقضي وقتها كله مع أخوها “سيد” – راجل طماع وشغال في السمسرة وبيع الأراضي والمقاولات غير المشروعة في المنطقة.

مقالات ذات صلة

سيد كان هو “العقل المدبر” لكل قرش بيجي من الخليج. كل ما حسين يبعت مبلغ لأميرة عشان تحطه في البنك أو تشتري بيه أرض باسمه، كان سيد يقنعها بأسلوبه المسموم:

“يا هبلة! بتكتبي الأرض باسم حسين ليه؟ حسين في الغربة وممكن في أي لحظة يعجبك هناك ولا يرجع يتجوز عليكي ويرميكي! الفلوس دي شيلي نصها باسمك ونصفها باسمي نتاجر بيه ونطلع أرباح، وهو لما ينزل ويري المباني والخير مش هيسأل في الأوراق التفصيلية!”

أميرة كانت متساقطة ورا أخوها، سلمته أختام حسين وتوكيل عام كان حسين عامله لها قبل ما يسافر عشان تخلص بيه إجراءات المصالح الحكومية. سيد استغل التوكيل ده أسوأ استغلال؛ باع واشترى وعمل صفقات مشبوهة باسم حسين، وسجل حتة أرض كبيرة ومهمة كانت حلم عمر حسين باسمه هو شخصياً بدلاً من حسين!

يوم الاثنين الساعة أربعة العصر..

كانت الحارة هادية، وسعاد قاعدة مع الحاجة فاطمة بيجهزوا الشاي، وفجأة سمعوا صوت عربية تاكسي وقفت تحت الباب. الصوت والكركبة تحت خلوا قلوبهم تضرب. نزلت سعاد جاري تفتح الباب، لقت حسين واقف في مدخل البيت!

كان راجل في أواخر التلاتينات، بس الغربة والتعب رسموا خطوط قاسية على وشه، شايل شنطة سفره على كتفه، وعيونه مليانة إرهاق ونار مكتومة. أول ما شاف سعاد، نزل الشنطة من إيده، ووقف مكانها.

سعاد قالت بنبرة دافية:

“حمد لله على السلامة يا حسين.. كفارة يا أخويا من الغربة.”

حسين بص لها، وحس بخجل القديم بيجدد، بس هز رأسه وقال بصوت مبحوح:

“الله يسلمك يا سعاد.. أمي جوة؟”

“جوة وبتموت من القلق عليك.. ادخل يا أخويا.”

دخل حسين الشقة، وأول ما شاف أمه قاعدة، اترسخ تحت رجلها، مسك إيدها وباسها بلهفة وعياط مكتوم. الحاجة فاطمة حضنت رأسه وبقت تبكي وتدعي له، وسعاد واقفة بعيد، حاسة إن Moment ده هو هدوء ما قبل العاصفة.

بعد ما شرب شربة مية وهدي شوية، حسين وقف، وبص لأمه وسعاد وقال بصوت صارم:

“سعاد.. اطلعي نادي أميرة وأخوها سيد.”

سعاد استغربت: “سيد أخوها؟”

رد حسين وعيونه بتلمع بآثار غضب مكتوم:

“أيوه، سيد أخوها بالذات! قولي لها حسين نزل وعاوزكم تحت في بيت العيلة حالاً.”

طلعت سعاد فوق، خبطت على الباب. فتحت أميرة وهي لابسة هدوم البيت، وأول ما شافت سعاد، كشرت وقالت بضيق:

“خير يا سعاد؟ في حاجة تاني ولا إيه؟”

سعاد قالت بثبات وهدوء:

“جوزك حسين نزل من السعودية، وقاعد تحت في بيت أمه، وطالبك أنتِ وأخوكي سيد تنزلوا له حالاً.”

أميرة وشها اتقلب في ثانية! وقعت منها الفراشة اللي كانت ماسكاها، وصوتها طلع مرعوب:

“حسين؟! حسين نزل؟ ومقالش ليه؟!”

“انزلي شوفيه، هو قال مش هيستنى.”

أميرة جرت على التليفون اتصلت بسيد أخوها وهي بترتعش:

“الحقني يا سيد! حسين نزل وموجود تحت في بيت أمه، وطالبنا إحنا الاتنين! شكله عرف حاجة يا سيد، أنا خايفة!”

سيد قال لها في التليفون ببرود ومكر:

“اهدي يا بت وما تخافيش! التوكيل معاكِ والأوراق مستفة، ولو اتكلم نلبسها في السوق والخسارة. أنا جاي لك حالاً.”

بعد نص ساعة.. كانت الصالة في بيت الحاجة فاطمة مليانة.

حسين قاعد على الكرسي الخشب الكبير، وفي إيده شنطة جلد سوداء مقفولة. أمه قاعدة جنبه، وسعاد واقفة جنب الشباك بتتابع في سكوت. أميرة قعدت على طرف الكنبة وهي بتمسح عرق إيدها في جلابيتها، وسيد أخوها قاعد حاطط رجل على رجل بيحاول يبان واثق من نفسه ومبتسم ابتسامة صفراء.

سيد اتكلم الأوّل بنبرة فيها نفاق:

“حمد الله على السلامة يا عريس! التلغرافات كانت تنور الحارة كلها لو نعرف إنك نازل، الغربة غيرتك يا حسين ولا إيه؟”

حسين ما ردش عليه.. فتح الشنطة الجلد السوداء بالبطء، وطلع منها رزمة أوراق وقضايا وعقود، وحطها على الترابيزة الخشب في النص. الصوت اللي عملته العقود وهي بتنزل على الترابيزة كان زي ضربة الرصاص.

أميرة سحبت نفسها لورا بخرع، وسيد ابتسامته اختفت بالتدريج.

حسين بص لسيد بنظرة قاتلة وقال بنبرة هادية بس ترعب:

“الغربة ما غيرتنيش يا سيد.. بس الغربة كشفت لي الناس على حقيقتها. كشفت لي إن الراجل لما بيسيب بيته ويسافر يشقى، بيبقى فاكر إن وراه أخت وسند ومرأة بتصون غيبته، مش ديابة بياكلوا في لحمه!”

أميرة اتكلمت بصوت يترعش:

“في إيه يا حسين؟ هو إحنا عملنا إيه لكل ده؟ إحنا صايين بيتك وعيالك!”

ضرب حسين على الترابيزة بإيده بإيد قوية هزت الشقة كلها:

“اسكتي خالص! ما تسمعنيش صوتك! صايينة بيتي؟ صايينة بيتي وأنتِ مسلمة توكيلي لأخوكي السمسار يبيع ويشتري بيه؟ صايينة بيتي وأنتِ بتسرقي الفلوس اللي ببعتها عشان تبنوا بيها مستقبلي، وبتكتبوا الأرض اللي شقيت فيها تلات سنين باسم أخوكي سيد؟!”

سيد وقفت بخضة وتحفز:

“جرى إيه يا حسين؟ الزم حدودك! الأوراق دي كلها قانونية، والأرض دي أنا شاريها بفلوسي وحقي، وإختك…”

حسين وقف بسرعة البرق، وقرب من سيد، وطلع ورقة مطبوعة بالختم الميري والختم الإلكتروني للبنك، وحطها في وش سيد:

“أرض إيه اللي بفلوسك يا حرامي؟! دي كشوفات الحسابات والتحويلات البنكية من السعودية! التواريخ والمبالغ والتوكيل اللي اتستخدم لشراء قطعة الأرض رقم 40 في المنطقة الجديدة! أنتِ استغليتي التوكيل اللي باسم مراتي، ونقلت الملكية باسمك بعقد بيع صورى بتاريخ قديم! التقرير الجنائي والمحامي هناك وثقوا كل حركة تحويل من حسابي لشركتك المشبوهة!”

الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على قلبها:

“يا لهوي! يا مري يا أولادي! يعني أنتِ يا أميرة سارقة جوزك ومسلمة شقى عمره لأخوكي؟!”

أميرة انهارت في العياط ورمت نفسها تحت رجل حسين:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى