أتطلقت وروحت حكايات شيمو

ـ “نفتحه دفتر توفير باسم حفيدك. كل شهر نحط فيه أي مبلغ، حتى لو صغير. علشان لما يكبر، يلاقي بداية أحسن من اللي إحنا بدأنا بيها.”
ابتسم أبويا، ودموعه لمعت في عينه.
وقال:
ـ “أهو ده الاستثمار الحقيقي… في مستقبل الولاد.”
ومن يومها، بقى عندنا عادة جميلة.
آخر كل شهر، قبل ما نصرف أي حاجة، كنا نحط مبلغ بسيط في الدفتر.
مش مهم كان خمسين جنيه، أو مية، أو أكتر.
المهم إننا بقينا مؤمنين إن البركة مش في كتر الفلوس…
البركة في المحبة، والتعاون، وإن كل فرد في البيت يشيل مع التاني من غير منّ ولا استغلال.
وعلّمت ابني درسًا عمره ما ينساه:
“البيت اللي أهله بيتقاسموا الحمل… عمره ما يقع، مهما كانت الظروف صعبة.”مرت سنة…
والحياة بدأت تهدى شوية.
يمكن ما بقيناش أغنيا…
لكن بقينا مرتاحين.
بقينا ناكل على سفرة واحدة، من غير ما حد يحس إنه شايل البيت لوحده.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت أبويا واقف قدام الباب لابس هدومه.
قلت باستغراب:
ـ “رايح فين يا بابا؟”
ابتسم وقال:
ـ “تعالي معايا.”
ركبنا المواصلات، ونزلنا قدام بيت صغير في آخر الشارع.
كان بيت متواضع، لكنه نضيف.
بصلي وقال:
ـ “فاكرة زمان لما كنتي تقولي نفسي يبقى عندي بيت يحميني أنا وابني؟”
هزيت راسي، وأنا مش فاهمة.
طلع ورقة من جيبه، واداهالي.
بصيت فيها…
ولقيت اسم ابني مكتوب.
اتلخبطت.
قلت:
ـ “إيه ده؟”
قال وهو بيبتسم:
ـ “ده عقد ابتدائي للبيت. دفعت مقدم من الفلوس اللي كنت بحوشها، والباقي أقساط بسيطة.”
شهقت.
ـ “يا بابا… إنت عملت ده كله إمتى؟”
قال:
ـ “من يوم ما قولتي إن نفسك تأمني مستقبل ابنك. قلت لازم أساعدك وأنا لسه قادر.”
حضنته وأنا بعيط.
وقلت:
ـ “أنا مش عارفة أرد جميلك إزاي.”
ربت على كتفي وقال:
ـ “الأب عمره ما بيستنى مقابل.”
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها أختي وجوزها.
قربوا مننا.
أختي كانت ماسكة شنطة فيها ستارة ومفرش.
وقالت وهي مبتسمة:
ـ “قولنا أول حاجة تدخل البيت الجديد تكون هدية مننا.”
أما جوزها، فمد إيده لأبويا وقال:
ـ “سامحني يا عمي… اتعلمت الدرس متأخر، بس وعد مني عمري ما هسيب حمل البيت كله على حد تاني.”
ابتسم أبويا، وصافحه.
ولأول مرة من سنين…
اتصورت العيلة كلها قدام البيت.
مكنش أكبر بيت…
ولا أفخم بيت…
لكن كان أول مكان حسيت فيه إن التعب، والصبر، والنية الطيبة، ممكن يجمعوا شمل أسرة كانت على وشك تتفرق.
وأنا ببص لابني وهو بيجري في فناء البيت الصغير، همست لنفسي:
“يمكن الحياة أخدت مني حاجات كتير…
لكن في المقابل، ادتني عيلة عرفت أخيرًا إن المحبة مسؤولية، وإن البيت الحقيقي بيتبني بالرحمة قبل الطوب.”بعد ستة شهور…
بدأت أجهز البيت واحدة واحدة.
مكنتش بشتري كل حاجة مرة واحدة.
كل مرتب أجيب حاجة.
مرة ستارة.
ومرة سجادة.
ومرة طقم أطباق بسيط.
وأبويا كان كل ما يشوف حاجة جديدة، يبتسم ويقول:
ـ “بالراحة… البيت بيتبني حتة حتة.”
وفي يوم جمعة…
بعد الغدا، رن جرس الباب.
فتحت…
ولقيت طليقي واقف.
بص لابنه قبل أي حد.
وقال بصوت واطي:
ـ “ممكن أشوفه؟”
ابني جري عليه وحضنه.
وقفت أتفرج من بعيد.
مكنش عندي كره…
ولا رغبة إني أرجع الزمن.
كان كل اللي يهمني إن ابني يفضل شايف أبوه باحترام.
بعد شوية، بصلي وقال:
ـ “سمعت إنك اشتريتي بيت.”
قلت بهدوء:
ـ “الحمد لله.”
سكت ثواني، وبعدين قال:
ـ “أنا ظلمتك في حاجات كتير.”
مردتش.
كمل وهو منزل عينه في الأرض:
ـ “كنت فاكر إنك من غيري مش هتعرفي تعيشي.”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
وقلت:
ـ “ربنا هو اللي بيعين يا أستاذ.”
هز رأسه.
وقال:
ـ “واضح.”
قام يمشي.
لكن قبل ما يخرج، وقف قدام أبويا.
وقال:
ـ “أنا مدين لحضرتك باعتذار.”
استغرب أبويا.
فكمل:
ـ “إنت ربيت بنت قوية… وأنا معرفتش قيمتها إلا بعد ما خسرتها.”
ابتسم أبويا ابتسامة خفيفة.
وقال:
ـ “كلنا بنتعلم… المهم إننا منكررش الغلط.”
خرج طليقي بهدوء.
وأول ما الباب اتقفل…
بصلي أبويا وقال وهو بيضحك:
ـ “شايفة؟”
قلت:
ـ “إيه؟”
قال:
ـ “الناس أوقات مبتعرفش قيمة النعمة إلا لما تروح منها.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وفي نفس الليلة…
وأنا برتب هدوم ابني، لقيته حاطط في حصالة التوفير خمسة جنيهات.
قلت له:
ـ “إيه يا حبيبي؟”
قال بابتسامة بريئة:
ـ “دي عشان لما جدو يكبر… نجيب له دوا لو احتاج.”
وقفت مكاني.
افتكرت كل مرة أبويا خاف عليّ فيها، وكل مرة خبّى تعبه عشان يطمنّي.
خرجت من الأوضة، ولقيته بيصلي.
استنيته يخلص.
وروحت بوست إيده.
استغرب وسحبها بسرعة.
وقال:
ـ “بتعملي إيه يا بنتي؟”
قلت والدموع في عيني:
ـ “برد جزء صغير من جميل عمر كامل.”
ابتسم، وربت على راسي كما كان يفعل وأنا طفلة.
وقال:
ـ “أنا مش عايز منك غير حاجة واحدة.”
قلت:
ـ “إيه هي؟”
قال:
ـ “لما ابنك يكبر… علميه إن الست اللي تشيل وقت الشدة، تستحق يتشال عنها وقت التعب. وعلميه إن البر بأهله عمره ما يضيع.”
هزيت رأسي وأنا أوعده.
وفي داخلي كنت أعرف…
أن أعظم ميراث ممكن يتركه أب لابنته، ليس بيتًا ولا مالًا…
بل قلبًا يعرف كيف يحب، وكيف يصبر، وكيف يحفظ كرامة من حوله.مرّت ثلاث سنوات…
وكبر ابني.
بقى يروح المدرسة، ويرجع كل يوم يحكيلي عن أصحابه ومدرسيه.








