قصص و روايات

تلت ولاد

بصيت على ليلى من ورا الإزاز.

وبعدين قلت بهدوء:

— عايز ملف كامل عن التلاتة دول… حساباتهم… علاقاتهم… الناس اللي بتحميهم… أي قاضي.

مقالات ذات صلة

.. أي ظابط… أي سر مستخبي. عايز أعرف عنهم كل نفس بيتنفسوه.

سكت لحظة…

وبعدين قال:

— يعني… الشبح رجع؟

قفلت عيني.

وقلت آخر جملة:

— لأ…

اللي رجع… أب بيجيب حق بنته.

​لم تكن عودة “الشبح” بحاجة إلى صرخات أو تهديدات علنية؛ فالرجال الحقيقيون في عالم الظل لا يعلنون وصولهم بالطبول، بل يتركون الصمت يسبق العاصفة.

​في أقل من ساعتين، وصل الملف الكامل إلى هاتف محمود القديم. كان عبارة عن أرشيف رقمي سري يضم كل شاردة وواردة عن كريم السيوفي، آدم المنياوي، ويوسف الدمنهوري. لم تكن مجرد معلومات عادية، بل كانت “الفاتورة الكاملة” لخطايا عائلاتهم؛ صفقات مشبوهة، تسجيلات لتهريب أموال، وأسرار تزلزل عروش الكبار.

​جلس محمود في سيارته المعتمة أمام المستشفى، يقلب الصفحات بهدوء قاتل. نظراته كانت باردة، كثلج قطبي، لكن بداخله كان بركانًا يغلي.

​الفصل الثالث: تساقط أوراق التوت

​لم يبدأ محمود بالثلاثة شباب مباشرة، بل بدأ بمن يمنحهم الشعور الكاذب بالحصانة. الحصانة التي تبنيها الأموال والنفوذ، وتهدمها ضربة واحدة في مقتل.

​الضربة الأولى كانت عند “المنياوي”:

والدة آدم، عضو مجلس النواب التي تستند إلى الحصانة السياسية وتُسكت أي صوت بالرشوة أو التهديد، فوجئت في منتصف الليل بتقرير مفصل يُرسل إلى بريد رئيس الحزب ورئيس مجلس النواب، مدعومًا بمستندات دامغة تثبت تورطها في الاستيلاء على أراضٍ مخصصة للشباب وتبييض أموال. في غضون ساعات قليلة، أعلنت القنوات

الإخبارية تجريدها من الحصانة وفتح تحقيقات عاجلة معها. انهارت الأم قبل أن يدرك ابنها ما يحصل.

​الضربة الثانية كانت عند “الدمنهوري”:

عائلة الدمنهوري التي تتبنى الجامعة وتتحكم في مجالس إدارتها، تلقت صدمة مالية مدوية. سلسلة الشركات الخاصة بهم تعرضت لهجمات سيبرانية وقانونية متزامنة جمدت أرصدتهم في الخارج والداخل، وأظهرت المستندات المسربة للرأي العام أن تبرعاتهم للجامعة لم تكن سوى واجهة لتهريب الضرائب وغسل أموال مشبوهة. خسرت العائلة نصف ثروتها في يوم واحد، وتخلى عنها شركاؤهم في التجارة كالراتب الفارة من السفينة الغارقة.

​أما كريم السيوفي، الأب المقاول الذي كان يتبجح بأن نفوذه يشتري القضاة، فاستيقظ ليجد القضاة أنفسهم يتهربون من الرد على مكالماته بعد أن نشرت شبكة محمود الخاصة تسجيلات صوتية تفضح تلاعبهم بالأحكام لصالح شركته.

​الفصل الرابع: ساعة الحساب في سهرة الملهى

​كان الثلاثة مجتمعين في أحد الملاهي الليلية الفاخرة، غير مصدقين لما يحدث لأهاليهم، لكنهم ما زالوا يظنون أنفسهم في مأمن؛ ففي النهاية هم من عائلات “لا توطأ رؤوسهم”. كانوا يضحكون باستهزاء، يشربون نخب “الغباء القانوني” على حد تعبيرهم، متأكدين أن القضية ستُقفل كغيرها تحتبساً للصمت.

​فجأة، انطفأت أضواء الطابق الخاص بهم بالكامل.

​انخفض

صخب الموسيقى، وانسحب السهارى بهدوء مريب دون أن يدركوا السبب. تقدّم رجلان ببدلتين سوداوين، بلا عاطفة ولا تعبير، فوقفا عند مداخل الطابق.

​ثم ظهر محمود.

​لم يكن يحمل سلاحًا ناريًا، ولم يكن يرتدي ملابس المافيا القديمة، بل كان يرتدي معطفه العادي، ووجهه يحمل ملامح أب أنهكه الحزن وأيقظه الغضب. وقف أمام طاولتهم تمامًا.

​نظر إليهم كريم السيوفي بدموع مصطنعة من الغضب، وصاح بصوت مهزوز:

— إنت… إنت أبو البنت؟! إنت مجنون ولا ايه؟ إنت مش عارف إحنا مين؟! دي ولا حاجة، هتدفع ثمن الوقفة دي غالي!

​لم يرد محمود فورًا. أخرج من جيبه قصاصة الورق الملطخة بدماء ليلى، ووضعها ببطء شديد على الطاولة، وسط كؤوس الشراب المنسكبة.

​وقال بصوت هادئ، منخفض، لكنه اخترق قلوبهم قبل آذانهم:

— زمان، كنت أستخسر الرصاصة في أمثالكم. كنت بخلي اللي يغلط يدور على الموت وما يلاقيهوش.

​ارتجف آدم المنياوي وتراجع للخلف حتى اصطدم بالجدار:

— إنت… إنت عايز إيه؟ فلوس؟ نديّك فلوس زي ما انت عايز… بس ابعد عننا!

​ابتسم محمود ابتسامة خالية من أي حياة:

— فلوسكم؟ فلوسكم بقيت في جيب الدولة، وعائلاتكم اللي كانت مفكرة نفسها بتملك البلد، بقيت تدور على محامين يدافعوا عنهم وهم في طريقهم للسجون. أنتوا ما ضربتوش بنت عادية… أنتوا دقيتوا المسمار

الأخير في نعشكم.

​الفصل الخامس: النهاية المغلقة

​بعد أسبوعين من تلك الليلة، كانت محكمة الجنايات تعقد جلسة تاريخية ومذاعة على الهواء مباشرة لمحاكمة الثلاثة بتهم الشروع في القتل العمد، والبلطجة، واستغلال النفوذ، مع رفض تام لأي محاولات تصالح أو كفالة. النفوذ الذي كان يحميهم تبخر، وأهاليهم عجزوا حتى عن توكيل محامٍ واحد يجرؤ على الوقوف أمام هيئة المحكمة والدفاع عنهم.

​في المستشفى، فتحت “ليلى” عينيها على وسعها وهي تستمع إلى التلفزيون المصدق عليه، وترى وجوه المعتدين خلف أسوار قفص الاتهام، منكسري الرؤوس، بينما كان القاضي يتلو أحكامًا بالسجن المشدد لسنوات طويلات تفوق عمر كل واحد منهم.

​شعرت بيد دافئة تحيط بكفها. التفتت لتجد والدها “محمود” يجلس بجانبها، يبتسم لها بحنان الأب الصادق، وعيناه لا ترعانِ خوفًا بعد اليوم.

​همست ليلى بصوت ضعيف متهدج:

— بابا… هما دخلو السجن بجد؟ محدش قدر يحميهم؟

​ضغط محمود على يدها برفق، ومسح دموعًا تخفت في عينيها، وقال بصوت هادئ ومستقر:

— طول ما أنا قاعد جنبك يا ليلى… مافيش كابوس يقدر يقرب منك أبدًا.

​رتب على شعرها، ووقف لينظر من النافذة إلى الشارع الخارجي، حيث الشمس تبزغ من جديد معلنة نهاية ليلة طويلة مظلمة، وبداية حياة جديدة هادئة، بعيدة عن المافيا والأسماء

القديمة، قريبة فقط من كونها أبًا يحمي ابنته بكل ما أوتي من قوة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى