قصص و روايات

بنتي عندها متلازمة داون

وصافية اخترقت هدوء الممر…
طلعت الدكتورة وبابتسامة تعب قالتلي: “مبروك يا مدام منى… بنتك جابت بنوتة زي الفل، ورحمة بخير وحالتها مستقرة تمامًا.”
دموعي نزلت من غير ما أحس. دخلت الأوضة بعد ما رحمة فاقت من البنج. كانت عينيها زايغة وبتدور عليا، وأول ما شافتني قالت بضعف وسخونية: “ماما… فين البيبي؟ جِه؟”
الممرضة جابت البنوتة الصغنونة الملفوفة بلفافة بيضا، وحطتها في حضڼ رحمة.
اللحظة دي… ورب العرش، اللحظة دي غيرت نظرتي للوجود كله.
رحمة بصت للبنت الصغيرة… عينيها الدموع غرقتها، بس كانت ابتسامتها أصفى وأجمل ابتسامة شفتها في حياتي. رفعت إيدها بالراحة خالص، وحطت صباعها الصغير في كف المولدودة اللي قفلت عليه بغريزة الفطرة. رحمة بصتلي وقالت بصوت بيهز الروح: “ماما… دي صغنطوطة أوي… زي العروسة القماش بتاعتي بس بتتنفس! بصي يا ماما… بتضحكلي.”
سميناها “فريدة”.
فريدة اتولدت كاملة النمو، معافاة، ومشا شاء الله ما حملتش سِمات متلازمة داون ولا أي مشاكل وراثية. اتولدت ونورت بيتنا الصغير بشكل ما حدش كان يتخيل إن ممكن يخرج من الرحم ده والمأساة دي كل الضوء ده.
مرت الأيام والسنوات بعد الولادة…
رحمة كبرت، وفريدة كبرت معاها. البيت اللي كان دايماً خيم عليه الهدوء والحزن بعد ما جوزي سابنا زمان، بقى مليان حركة وضحك وشقاوة. ورحمة؟ رحمة أثبتت لكل الدكاترة والأخصائيين إن الفطرة الإنسانية للأمومة أقوى من أي معدل ذكاء وأعلى من أي تقرير طبي.
بعلمها وبساعدها في كل خطوة؛ أنا الأم الكبيرة، ورحمة الأم الصغيرة. رحمة كانت هي اللي بتسهر معاها لما تسخن، تخبي ألعابها عشان تديها لفريدة، وتقعد تعمل لها ظفائر في شعرها وهي بتغني نفس الأغنية الطفولية القديمة.
النهاردة… فريدة عندها سنة ونص، بتجري في الصالة وبتردد كلمة “ماما” وهي بتجري ورا رحمة، ورحمة بتجري وراها بضحكتها الرنانة اللي بترد الروح في البيت.
أوقات كتير بالليل، لما البيت يهدى والكل ينام، بقعد في الصالة وبطلع من درجي العلبة الصفيح القديمة. بفتحها وأبص للإسورة الورق المتنية… الإسورة الملونة اللي كانت بتاعة الملاهي.
الإسورة دي كانت رمز للغدر والظلم والإساءة لقلب بريء ملوش ذنب… لكن ربنا سبحانه وتعالى بحكمته ورحمته، قدر يقلب ألم الإسورة دي للسبب اللي جاب لنا “فريدة”، وللسبب اللي كشف مچرم ورفع عن أطفال كتير شره، وللسبب اللي خلاني أعرف إن بنتي رحمة مش بس بنت بمتلازمة داون… دي أطهر وأعظم أم شفتها في حياتي.
بصيت لرحمة وهي نايمة وفي حضنها فريدة الصغيرة، وعروستها القماش القديمة مرمية جنبهم على السرير، وحسيت برضا غريب مالي قلبي. قربت منهم، غطيتهم بالراحة، وبست راس رحمة ووهست في أذنها: “أنتِ مش بس ورحمة يا حبيبتي… أنتِ رحمة من ربنا لينا كلنا.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى