جوزي دخل عليا العيادة

قضى أول أيام عمره هنا.
بعيد عن حضني.
وبعيد عن أي اسم.
مجرد رقم.
شدني كريم من إيدي.
— لازم نمشي.
لكن قبل ما أتحرك…
لمحت دفتر صغير تحت الحضانة.
انحنيت أخدته.
كان مكتوب عليه.
سجل المتابعة اليومية.
فتحته.
أول صفحة.
“اليوم الأول.”
“الطفل 47… العلامات الحيوية مستقرة.”
قلبت الصفحة.
“اليوم السابع.”
“الطفل بدأ يستجيب للأصوات.”
بعدها.
“اليوم الخامس عشر.”
“الطفل يبتسم عند سماع صوت السيدة رقم M.”
وقفت.
رجعت أقرا السطر تاني.
قلت بسرعة:
— مين السيدة M؟
كريم أخد الدفتر.
قراه.
وشه اتغير.
همس:
— مستحيل…
— إيه؟
وراني صفحة بعدها.
كان فيها توقيع.
M. Samah
اتجمدت.
— سامح؟
— لأ.
الدكتورة مها سامح.
بصيتله.
— مين دي؟
قال:
— أخت الدكتور سامح.
طبيبة أطفال.
اختفت من سنتين.
افتكرت.
كنت سمعت الاسم في المستشفى زمان.
كانوا بيقولوا إنها سافرت.
لكن واضح…
إنها ما سافرتش.
هي كانت هنا.
وسط المكان ده.
قلبت آخر صفحة.
كان فيها ملاحظة مختلفة عن كل اللي قبلها.
“الطفل 47 تعلّق بالسيدة M بصورة غير طبيعية.”
“يُنصح بنقله قبل إتمام عامه الأول.”
تجمدت.
يعني…
ابني عاش مع واحدة تانية.
وناداها…
ماما.
وجع غريب عصر قلبي.
ماقدرتش أتكلم.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت باب بيتفتح بعيد.
وكلام ناس.
فيه حد نزل النفق.
كريم قفل الدفتر بسرعة.
وطفى الكشاف.
بقينا واقفين في الضلمة.
الخطوات كانت بتقرب.
وصوت راجل قال:
— دوروا كويس.
الحقيبة لازم ترجع قبل انتهاء العد التنازلي.
رد عليه صوت تاني:
— ولو لقيناهم؟
قال بمنتهى البرود:
— الراجل اقتلوه…
أما الدكتورة…
لا.
هي لسه ليها دور.
مسكت دراع كريم بقوة.
همست:
— هما عايزيني ليه؟
رد بصوت منخفض جدًا:
— لأن الحقيقة اللي لسه محدش قالهالك…
إن اختفاء ابننا…
ماكانش الهدف الأساسي.
بلع ريقه.
وأكمل وهو باصص في عيني:
— الهدف الحقيقي…
كان إنتِ.
قرروا إن أفضل طريقة لإسكاته…
هي مراقبة أغلى حاجة عنده.
ابنته.
أنا.
أنا كنت المقصودة.
من وأنا طفلة.
قال وهو بيقلب ورقة قدامه:
— أول تقرير عن مريم اتكتب وهي عندها سبع سنين.
أول تحليل دم اتاخد منها من غير ما تعرف.
وأول ملف باسمها اتفتح وهي عندها اتناشر سنة.
كل مرحلة في حياتها كانت بتتسجل.
تفوقها.
دخولها كلية الطب.
تخصصها.
جوازها.
حتى حملها.
ماكانش فيه أي حاجة صدفة.
حسيت إن نفسي بيضيق.
سنين كاملة…
وأنا فاكرة إني باختار حياتي.
طلع إن حد تاني كان بيراقب كل اختيار.
وفجأة…
انقطعت الصورة.
الشاشة اسودت.
ورجع العد التنازلي يشتغل.
18:41… 18:40…
في نفس اللحظة…
جهاز صغير داخل الحقيبة بدأ يرن.
كريم فتحه بسرعة.
كان جهاز اتصال قديم.
طلع منه صوت ضعيف ومتقطع.
— …لو… حد… سامعني…
أنا…
ندى…
بصيت لكريم.
وشغل الصوت على أعلى درجة.
ندى كانت بتنهج.
وصوتها مليان خوف.
— سامعني يا كريم؟
لو معاك مريم…
اسمعوا كويس.
أنا هربت.
بس مش هقدر أهرب كتير.
فيه حاجة لازم تعرفوها قبل ما يوصلوا ليا.
سكتت ثواني.
وسمعنا صوت باب بيتكسر في الخلفية.
وبعدين قالت بسرعة وهي بتعيط:
— الطفل 47 مش موجود في المكان اللي إنتوا فاكرينه…
هو اتنقل من ست شهور…
بأمر مباشر من…
وفجأة…
الصوت اتقطع.
وسمعنا طلقة نار.
وبعدها…
صمت كامل.
أنا وكريم فضلنا نبص لبعض.
ولا واحد فينا قدر ينطق.
لكن بعد ثوانٍ…
الجهاز رجع اشتغل لوحده.
وطلع صوت مختلف.
صوت راجل.
هادئ جدًا.
قال جملة واحدة فقط:
— لو عايزين الطفل…
تعالوا لمكان بداية كل شيء…
المستشفى اللي اتولد فيه.
يتبع
أنا وكريم بصينا لبعض.
أول مرة من ساعات…
ولا واحد فينا كان عنده رد.
المستشفى.
المكان اللي كنت فاكرة إنه شهد أسوأ يوم في حياتي.
يمكن يكون هو نفسه المكان اللي مخبي الحقيقة كلها.
لكن قبل ما نتحرك…
رجع صوت العداد يرن في المكان.
17:58… 17:57…
كريم قفل جهاز الاتصال بسرعة.
وقال:
— لو خرجنا دلوقتي من غير الملفات… هنبدأ من الصفر.
قلت وأنا ماسكة الصورة بتاعة ابني:
— ولو ضيعنا الوقت هنا… ممكن نضيع آخر فرصة نشوفه.
كان قرار مستحيل.
إما الحقيقة…
أو ابني.
وفجأة…
افتكرت حاجة.
فتحت الحقيبة بسرعة.
كلنا كنا مركزين على الملفات والهارد.
لكن كان فيه ظرف صغير في الجنب.
مكتوب عليه بخط الدكتور سامح.
“يُفتح داخل المستشفى فقط.”
شهقت.
— يعني هو كان عارف.
كريم أخد الظرف.
لفه بين إيده.
كان تقيل بشكل غريب.
قال:
— فيه حاجة جواه.
مزق طرفه بحذر.
وقع منه مفتاح إلكتروني صغير.
ومعاه كارت بلاستيك.
مكتوب عليه:
B2 – ARCHIVE
بصيت باستغراب.
— أرشيف إيه؟
رد كريم وهو بيحاول يفتكر.
— تحت المستشفى فيه بدروم قديم.
كانوا قافلينه من سنين.
كل الموظفين كانوا فاكرين إنه مخزن.
الدكتور سامح مرة لمحلي وقال…
“فيه أماكن في المستشفى محدش يعرف إنها لسه موجودة.”
اتنهد.
— يمكن كان يقصد المكان ده.
الصوت الآلي قاطعنا.
“يتبقى سبعة عشر دقيقة.”
وفي اللحظة دي…
نور الطوارئ انطفى ثانية واحدة.
ولما رجع…
لقينا حد واقف في آخر الممر.
ست.
لابسة بالطو أبيض.
وشعرها مربوط.
وشها كان مرهق.
لكن أول ما شفته…
افتكرت الاسم اللي قريناه في الدفتر.
الدكتورة مها.
أخت الدكتور سامح.
بصتلنا بعين مليانة خوف.
ورفعت صباعها على بؤها.
إشارة إنها عايزة مننا نسكت.
جريت ناحيتها.
قلت بسرعة:
— إنتِ الدكتورة مها؟
هزت رأسها.
— مفيش وقت.
بصت للحقيبة.
— أخدتوا السجل؟
قلت:
— أيوه.
— والهارد؟
— معانا.
اتنفست براحة كأن حمل كبير اتشال من عليها.
وقالت:
— يبقى لسه فيه أمل.
كريم قرب منها.
— ابني فين؟
سكتت.
غمضت عينها ثواني.
ولما فتحتهم…
كان واضح إنها بتحارب دموعها.
قالت:
— هو عايش.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أبكي.
لكنها كملت بسرعة.
— بس لو رحتوا المستشفى من الباب الرئيسي…
مش هتوصلوله.
— ده رئيس الشبكة الحقيقي…
والراجل الوحيد…
اللي محدش شاف وشه من عشرين سنة.
ورفع الرجل رأسه فجأة…
وبص مباشرة في كاميرا المراقبة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة…
وقال وكأنه عارف إننا بنتفرج عليه:
— أهلًا بيكي يا مريم…
اتأخرتِ عليا كتير.
الفصل التاسع عشر
اتجمدت مكاني.
الرجل كان واقف قدام باب المستشفى.
ولا بص حواليه.
ولا حتى سلم على حد.
من أول ما نزل من العربية…
كان باصص في الكاميرا.
كأنه عارف إننا بنتفرج عليه.
مها اتراجعت لورا خطوة.
إيديها بدأت ترتعش.
ولأول مرة من ساعة شوفتها…
حسيت إنها فقدت السيطرة.
همست:
— لازم نمشي… حالًا.
بصيت لها.
— مين ده؟
ردت بصعوبة:
— اسمه كمال الرفاعي.
الاسم كان غريب عليا.
لكن واضح إنه مش غريب عليهم.
كريم بلع ريقه وقال:
— الراجل ده كنت فاكره مجرد ممول.
مها هزت رأسها.
— كلنا افتكرنا كده.
لحد ما الدكتور سامح اكتشف الحقيقة.
قلت بسرعة:








