جوزي دخل عليا العيادة

— إيه الحقيقة؟
ردت وهي بتبص للشاشة:
— الدكتور فؤاد هو اللي أسس المشروع علميًا.
لكن بعد سنين…
كمال اشترى كل حاجة.
المعامل…
المستشفيات…
الملفات…
والبشر.
ومن يومها…
بقى هو صاحب القرار.
بصيت للشاشة.
كمال كان ماشي في الممر.
وكل واحد يقابله ينزل رأسه.
مش احترام.
خوف.
دخل المصعد.
ضغط زر البدروم.
مها شهقت.
— جاي هنا.
العداد كان بيعد.
14:12
كريم قفل الحقيبة.
وقال:
— لازم نتحرك.
طلعنا من غرفة المراقبة.
وجرينا في الممر.
كل شوية نعدي باب عليه أرقام.
B7…
B6…
B5…
لحد ما وقفنا قدام باب إلكتروني.
فوقه لافتة صغيرة.
B2 – ARCHIVE
طلعت الكارت اللي لقيناه.
حطيته على جهاز الدخول.
الجهاز نور أخضر.
والباب اتفتح ببطء.
أول ما دخلت…
وقفت مكاني.
الأرشيف ماكانش مجرد دولاب ملفات.
كان قاعة كاملة.
صفوف طويلة من الأدراج المعدنية.
كل درج عليه سنة.
1989…
1994…
2001…
2017…
وفي آخر القاعة…
خزنة إلكترونية ضخمة.
فوقها شاشة مكتوب عليها.
PROJECT 47
مها جريت عليها.
بدأت تكتب أرقام بسرعة.
قلت:
— عرفتي الرقم منين؟
ردت وهي شغالة:
— الدكتور سامح حفظهولي قبل ما يموت.
الجهاز عمل صوت.
ورفض.
قالت بقلق:
— غيروه.
في نفس اللحظة…
سمعنا صوت المصعد.
حد وصل للبدروم.
كلنا بصينا لبعض.
الخطوات كانت بتقرب.
بهدوء.
من غير استعجال.
كأن صاحبها واثق إنه هيلاقينا.
وفجأة…
اتفتح باب الأرشيف.
دخل كمال الرفاعي.
لوحده.
من غير حرس.
وقف على الباب.
وبص ناحيتي مباشرة.
وقال بابتسامة هادئة:
— أخيرًا قابلتك يا مريم.
أنا معرفش ليه…
لكن كنت متأكد إنك هتوصلي لحد هنا.
ما رديتش.
قال وهو بيقرب خطوة:
— متخافيش.
أنا مش جاي أقتلك.
أنا جاي أرجعلك ابنك.
شهقت.
كريم وقف قدامي فورًا.
— ولا كلمة من كلامه.
كمال ضحك.
— لسه فاكر إنها هتصدقك؟
ثم مد إيده بملف بني.
وحطه على أول ترابيزة.
— ده ملف الطفل 47.
كل حاجة عنه.
اسمه الحقيقي.
واسمه الحالي.
وعنوانه.
وكل خطوة عاشها.
مديت إيدي ناحية الملف.
لكن كريم مسكني.
— نظام التدمير بدأ!
كريم فتح الملف الأسود بسرعة.
جواه فلاشة زرقا.
ودفتر صغير.
ومظروف مكتوب عليه:
“يفتح بمعرفة النيابة العامة فقط.”
ابتسم لأول مرة من بداية الهروب.
وقال:
— خلصت.
بصيتله باستغراب.
قال وهو بيرفع الفلاشة:
— دي مش مجرد ملفات.
دي تحويلات بنكية.
وتسجيلات.
وأسماء كل اللي شاركوا.
من أول الممرض…
لحد أكبر مسؤول.
كمال جرى ناحيته.
لكن قبل ما يوصل…
مها شدت ذراع كمال بكل قوتها.
وقالت وهي بتصرخ:
— اجري يا كريم!
التفت كريم ناحيتي.
مد إيده.
— مريم!
بصيت مرة أخيرة ناحية كمال.
كان بيحاول يفلت من مها.
والسقف بينهار فوق الجميع.
مديت إيدي لكريم.
ومسكتها.
وجرينا.
خلفنا…
كانت القاعة كلها بتنهار.
وأمامنا…
كان ممر طويل يؤدي إلى باب الخروج.
ولأول مرة…
بعد سنتين من الخوف…
حسيت إن النهاية بقت قريبة.
لكن في آخر الممر…
وقف قدامنا أربعة رجال مسلحين.
وفي منتصفهم…
كانت الست التي ربّت يوسف.
وهي تحتضنه بقوة.
والطفل كان يبكي…
ولا يفهم لماذا الجميع يصرخ من حوله.
في اللحظة دي…
عرفت أن أصعب مواجهة في حياتي…
لن تكون مع كمال.
بل مع طفل…
لا يعرف أنني أمه.
الفصل الأخير
يوسف كان مستخبي في حضن الست اللي ربته.
بيبكي.
وكل ما حد يقرب منه…
يزود تمسكه بيها.
وقفت مكاني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كنت مستنية اللحظة دي من سنتين.
لكن أول ما شوفته قدامي…
ماقدرتش أتحرك.
كمال ابتسم وهو شايف ترددي.
وقال بهدوء:
— قولتلك…
إنتِ مش هتعرفي تاخديه.
ده خلاص بقى ابنها.
بصيت ليوسف.
كان مرعوب.
ولو جريت عليه في اللحظة دي…
كل اللي هيفتكره بعد كده…
إن ست غريبة حاولت تخطفه.
أخدت نفسًا طويلًا.
وبصيت للست.
كانت هي كمان بتعيط.
وقالت بصوت مرتعش:
— والله… أنا ما سرقتوش.
أنا استلمته وهو عنده شهور.
قالولي إن أمه ماتت.
وربيته كأنه ابني.
عمري ما أذيته.
ولا يوم.
قربت منها بهدوء.
ولأول مرة…
ماكانش عندي غضب ناحيتها.
كان عندي وجع.
بس.
قلت بصوت هادي:
— أنا عارفة.
رفعت رأسها تبصلي.
كملت:
— وإنتِ كمان ضحية.
الست انهارت في البكاء.
حضنت يوسف أكتر.
وقالت:
— لو أخدتيه…
أنا هموت.
بصيت ليوسف.
وبعدين بصيت ليها.
وقلت الجملة اللي حتى أنا ماكنتش متوقعة أقولها.
— مش هاخده النهارده.
كل اللي حواليا اتصدم.
حتى كريم.
كمال نفسه وقف يبصلي باستغراب.
قلت وأنا باصة ليوسف:
— الطفل مش ورقة.
ومش دليل.
ومش غنيمة.
هو إنسان.
ولو خدته دلوقتي…
هكسر قلبه.
وهقلب حياته جحيم.
أنا هسترده…
بالقانون.
وبالوقت.
وبالحب.
مش بالقوة.
في اللحظة دي…
دوّى صوت عربيات كتير من بره.
لكن المرة دي…
كانت قوات الأمن الحقيقية.
وصلت بعد ما كريم بعت نسخة من الفلاشة والملفات عبر نظام الطوارئ قبل انهيار الأرشيف.
خلال دقائق…
المكان كله اتحاصر.
كمال حاول يهرب.
لكن قبل ما يوصل للباب…
وقف قدامه الشاهد.
كان مصاب…
لكن لسه حي.
ابتسم لكمال وقال:
— المرة دي…
خلصت.
لكن الضباط سبقوه.
واتقبض عليه.
وبدأت حملة قبض واسعة.
كل اسم كان موجود في الفلاشة…
اتقبض عليه خلال أيام.
أطباء.
موظفون.
وسطاء.
ورجال أعمال.
أما الدكتورة هناء…
فكانت أول واحدة اعترفت بكل حاجة.
واعترفت بمكان كل طفل.
واحدًا واحدًا…
بدأ الأطفال يرجعوا لأهاليهم الحقيقيين.
لكن الرجوع…
ماكانش سهل.
بعض الأطفال كانوا كبار.
وبقوا متعلقين بالعائلات اللي ربتهم.
والمحاكم شكلت لجانًا نفسية واجتماعية علشان كل طفل يرجع بالطريقة اللي تحميه.
أما يوسف…
فالقاضي رفض نقله فورًا.
وقرر برنامج انتقال تدريجي.
في البداية…
كنت بشوفه ساعة كل أسبوع.
كان بيقعد بعيد.
ويبصلي باستغراب.
ويناديني:
“طنط.”
وكانت الكلمة بتوجعني…
لكنني كنت بابتسم.
بعد شهرين…
بقى يوافق يمسك إيدي.
بعد أربعة شهور…
رسم رسمة فيها بيتين.
ولما سألته:
— البيت ده بتاع مين؟
قال:
— ده بيت ماما.
وأشار للست اللي ربته.
ثم رسم بيتًا ثانيًا.
وقال وهو بيبتسم بخجل:
— وده… بيت الدكتورة مريم.
ابتسمت.
لأنه لأول مرة…
قال اسمي من غير خوف.
ومرت الشهور.
وبدأنا نحكي له الحقيقة تدريجيًا.
من غير كذب.
ومن غير كراهية.
علمناه إن الإنسان ممكن يكون عنده قلب يتسع لأكثر من شخص.
وإن الست اللي ربته أمته بحبها.
وأنا أمه اللي ولدته وربنا رجعهولي.
وفي يوم…
بعد سنة كاملة…
كنا قاعدين في الحديقة.
يوسف كان بيلعب بطيارة صغيرة.
نفس الطيارة اللي اشتراهاله كريم قبل ولادته.
وقع.
جري ناحيتي.
حضن رجلي.
وقال بعفوية:
— ماما…
اتجمدت.
بصيت له.
قلت وأنا دموعي نازلة:
— نعم يا حبيبي؟
ابتسم.
وقال:
— هتلعبي معايا؟
ركعت على ركبتي.
حضنته بكل قوتي.
وبكيت.
مش بكاء وجع.
لكن بكاء أم…
رجعلها ابنها.
أما كريم…
فحُكم عليه بالسجن مع إيقاف التنفيذ بعد أن ثبت أنه أخفى معلومات تحت التهديد، لكنه كان سببًا رئيسيًا في كشف الشبكة وإنقاذ الأطفال، مع خضوعه للمساءلة القانونية.
وبعد سنوات…
وقفنا أنا وهو في أول افتتاح لمركز مجاني لدعم الأطفال المفقودين والعائدين إلى أسرهم.
وعلى مدخل المركز…
علّقنا لوحة صغيرة كتبنا عليها:
“قد تُسرق السنوات… لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تجد طريقها دائمًا.”
تمت. حكايات الكاتبه اسما السيد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








