قصص و روايات

معاش زوجي

يعني كانت معتمدة على فلوسك فعلًا.
هز راسه.
وقالتلي كمان…
إنت وعدتني، ووعد الراجل دين.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت
نفس الجملة اللي كنت بتقولهالي.
سكت.
واضح إنه افتكر.
في نفس الليلة…
كريم دخل أوضتي.
كان شكله متردد.
قال
ماما… ممكن أقعد؟
قفلت الكتاب اللي كنت بقراه.
اتفضل.
قعد قدامي، وبص في الأرض.
أنا… عايز أعتذر.
استغربت.
دي أول مرة ابني يعتذرلي من غير ما أطلب.
قال
أنا اكتشفت إني كنت باخد منك الفلوس كأنها حقي.
ماكنتش بفكر إنك بتتعبي عشانها.
أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تدفعيلنا طول العمر.
ابتسمت.
والنهارده؟
قال وهو بيتنهد
النهارده فهمت إن الراجل اللي عنده تمانية وعشرين سنة، مينفعش يعيش مستني أمه تحلله كل مشاكله.
طلع من جيبه ظرف.
وحطه قدامي.
فتحته…
لقيت ألفين جنيه.
قلت باستغراب
إيه ده؟
قال
أول مبلغ هرجعهولك من الفلوس اللي كنت باخدها.
مش هقدر أردهم مرة واحدة…
بس هردهم كل شهر.
بصيتله…
وحسيت إن أول مرة أشوفه راجل فعلًا.
قلت بابتسامة
احتفظ بيهم.
قال بسرعة
ليه؟
قلت
افتح بيهم حساب توفير.
ابدأ تعتمد على نفسك.
دي أحسن هدية ممكن تدهالي.
ابتسم…
ولأول مرة من شهور، حضني من غير ما يكون عايز حاجة.
بعد شهرين…
حياتي اتغيرت تمامًا.
بقيت بروح الجامعة تلات أيام في الأسبوع.
واتعلمت أرسم لوحات بسيطة.
واشتركت في نادي للمشي.
وبقيت أنا وصاحبتي الجديدة، الدكتورة نادية، بننزل نتغدى سوا كل خميس.
أما حسن…
فبقى هو اللي يدخل المطبخ أوقات.
ويغسل المواعين.
ويسألني
أساعدك في حاجة؟
كنت كل مرة أبتسم.
وأرد
أهو كده أحسن.
وفي يوم…
وأنا قاعدة في البلكونة بسقي الورد…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت أرملة أخو حسن.
لكن المرة دي…
ملامحها كانت مختلفة.
لا غضب.
ولا تكبر.
ولا ابتسامة مصطنعة.
كانت باين عليها الحيرة.
قالت بصوت واطي
ممكن أدخل؟
قلت
اتفضلي.
دخلت، وقعدت شوية ساكتة.
وبعدين قالت
أنا جيت أعتذر.
أنا اتعودت إنكم تشيلوا عني كل حاجة.
ولما حسن قال إنه مش هيقدر يكمل، حسيت إن الدنيا بتقع.
لكن بعدين اكتشفت…
إني كنت غلطانة.
أنا لسه قادرة أشتغل.
وفعلًا لقيت شغل أربع ساعات في حضانة قريبة.
مش مرتب كبير…
بس يكفيني.
وبصتلي بعين مليانة ندم.
يمكن لو كنت اعتمدت على نفسي من زمان… ماكنتش خسرتكم.
ابتسمت بهدوء.
وحطيت قدامها فنجان شاي.
وقلت
لسه مفيش حاجة اتخسرت…
طول ما كل واحد عرف حدوده، وقدر تعب غيره… يبقى دايمًا فيه فرصة نبدأ من جديد.
الجزء السادس
عدّى حوالي ست شهور…
والبيت بقى هادي بشكل غريب.
مش لأن المشاكل اختفت…
لكن لأن كل واحد بقى عارف حدوده.
حسن بقى أول كل شهر، أول ما يقبض معاشه، يحط جزء في ظرف مصروف البيت، وجزء صغير يوديه لأرملة أخوه من غير ما يحرم بيته.
أما كريم…
فكانت دي أول مرة في حياته يعدي ست شهور من غير ما يطلب مني جنيه واحد.
بل بالعكس…
بقى كل ما ييجي يزورني، يجيب معاه حاجة.
مرة فاكهة.
مرة تورتة صغيرة.
ومرة باقة ورد.
وكان كل مرة يقول نفس الجملة
دي أقل حاجة أقدر أعملها يا ماما.
وفي يوم…
كنت راجعة من درس الرسم.
لقيت عربية فخمة واقفة قدام البيت.
استغربت.
أول ما طلعت…
لقيت في الصالة راجل ومراته.
أنيقين جدًا.
أول ما شافوني، وقفوا باحترام.
الراجل ابتسم وقال
حضرتك الأستاذة منى؟
أيوه.
أنا المهندس شريف… ودي زوجتي.
حسن قام بسرعة وقال
دول مخصوص جايين يسلموا عليكي.
بصيت باستغراب.
المهندس شريف طلع من شنطته علبة شيكولاتة كبيرة.
وقال
حضرتك يمكن مش فاكراني…
أنا كنت طالب عندك من خمسة وعشرين سنة.
ابتسمت وأنا بحاول أفتكر.
لكن بصراحة…
ملامحه اتغيرت تمامًا.
قال وهو بيضحك
أنا شريف… اللي كان بيجيب صفر في الرياضيات.
ضحكت.
وفجأة افتكرته.
كان أشطر طالب في الشقاوة.
قلت
معقول؟!
قال
أيوه.
وحضرتك أول واحدة قالتلي زمان
إنت مش فاشل… إنت محتاج حد يصدق فيك.
سكت لحظة…
وبعدين كمل وعينه لمعت.
الكلمة دي غيرت حياتي.
دلوقتي عندي شركة مقاولات فيها أكتر من ميت موظف.
وأول ما عرفت إن حضرتك تقاعدتي…
قلت لازم أجي أشكرك.
حسن كان ساكت تمامًا.
واضح إنه أول مرة يسمع الكلام ده.
قبل ما يمشي…
شريف حط ظرف على الترابيزة.
قلت بسرعة
لا يا ابني… أنا ماخدش فلوس من حد.
ابتسم.
وقال
دي مش فلوس.
فتحت الظرف.
لقيت دعوتين.
سألته
إيه دول؟
قال
رحلة نيلية سبع أيام في الأقصر وأسوان.
أنا عاملها هدية لحضرتك وللأستاذ حسن.
كل المصاريف مدفوعة.
رفضت في الأول.
لكنه أصر.
وقال
دي أقل حاجة أقدر أرد بيها جزء من فضلك.
بعد ما مشي…
فضل حسن ماسك الدعوة، وساكت.
وبعدين بصلي وقال
أنا طول عمري كنت فاكر إن شغلك مجرد مرتب آخر الشهر.
لكن النهارده عرفت…
إن تعبك كان بيبني ناس.
يمكن أكتر مما كنت ببني أنا.
ابتسمت.
وقلت
المدرس الحقيقي…
بيسيب أثر، مش مجرد درجات.
قبل السفر بيوم…
وأنا برتب الدولاب…
لقيت حسن داخل عليا وهو ماسك علبة صغيرة.
قال
افتحيها.
فتحتها.
لقيت فيها سلسلة دهب رقيقة جدًا.
بصيتله باستغراب.
قال وهو محرج
أول هدية أشتريها ليكي من فلوسي أنا.
مش من مكافأة.
ولا من قرض.
ولا بعد ما تفضلي عليا.
من فلوسي.
وأنا اللي اخترتها.
حسيت بعيني دمعت.
مش علشان قيمة السلسلة…
لكن لأن الراجل اللي قدامي…
أخيرًا فهم إن التقدير مش كلمة…
التقدير فعل.
لبست السلسلة.
وبصيت في المراية.
لقيت حسن واقف ورايا بيبتسم.
وقال بهدوء
تعرفي…
أنا اكتشفت إني كنت محظوظ طول عمري.
بس للأسف…
عرفت قيمة النعمة بعد ما كدت أخسرها.
ابتسمت وأنا ببصله في المراية.
وقلت
المهم إنك عرفتها…
قبل ما يفوت الأوان.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى