حضانة المبتسرين

“كان لازم حد يقعد معاه… بس محدش كان بييجي.”
بلع ريقه بصعوبة.
“كنت عندي عشر سنين… وكنت أستخبى كل يوم وأدخل أبص عليه من الشباك.”
“وكل مرة كانوا يقولولي ممنوع.”
“وفي يوم… جيت.”
وسكت.
“قالولي… اتأخرت.”
فضل ماسك إيد محمد الصغيرة وهو بيكمل:
“من يومها وعدت نفسي… إن أي طفل هيكون لوحده، عمره ما هيحس بالوحدة وأنا عايش.”
الدموع كانت في عيني قبل ما أحس بيها.
دلوقتي فهمت…
ليه الراجل الضخم ده فضل قاعد 12 ساعة كاملة من غير ما يتحرك.
وليه الطفل محمد أول ما سمع صوته… حس بالأمان.
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياه تاني يوم الصبح.تاني يوم الصبح، وصل وائل قبل معاد الزيارة بساعة.
كان شايل معاه شنطة صغيرة فيها زجاجة مية، وسندويتش، وكتاب قديم.
ابتسم للممرضات وقال: “صباح الخير… محمد عامل إيه؟”
رديت وأنا ببص على شاشة الأجهزة: “أحسن بكتير من امبارح.”
أول ما سمع الطفل صوته، فتح عينيه الصغيرين، وبطل العياط.
الدكتور المسؤول وقف يبص للمشهد وقال: “الغريب إن حالته بتتحسن كل ما الراجل ده يقعد معاه.”
ومن يومها، بقى وائل ييجي كل يوم.
لا بيتكلم كتير، ولا بيسأل عن حد.
يدخل، يغسل إيديه، يقعد على الكرسي، ويحط محمد على صدره.
وبعد أسبوع…
بدأ محمد يرضع لوحده لأول مرة.
وبعد أسبوعين…
زاد وزنه بشكل ملحوظ.
الممرضات بقوا ينادوا وائل باسم: “عم محمد.”
وكان يضحك بخجل ويقول: “أنا مجرد متطوع.”
لكن في صباح اليوم الخامس عشر، حصل شيء قلب كل حاجة.
وصلت بنت في أوائل العشرينات، هدومها بسيطة، ووشها باين عليه الإرهاق.
وقفت قدام حضانة محمد وهي بتعيط.
“أنا… أنا أمه.”
كانت سارة.
رجعت بعد ما اختفت أكتر من أسبوعين.
حكت وهي منهارة إنها كانت بلا مأوى بعد الولادة، ومكنش معاها حتى تمن المواصلات، وكانت بتلف على الجمعيات الخيرية لحد ما لقت مكان تأوي فيه.
كانت فاكرة إن ابنها ممكن يكون مات.
لما عرفت إنه لسه عايش، جريت على المستشفى.
حضنت ابنها وهي بتبكي بحرقة.
وبعدين لفت نظرها الراجل الضخم اللي واقف بعيد في هدوء.
سألتني: “مين ده؟”
قلت بابتسامة:
“الراجل اللي رفض يسيب ابنك يوم واحد وهو لوحده.”
اقتربت سارة من وائل، ومدت إيدها وهي بتقول بصوت مرتعش:
“أنا معرفش أشكرك إزاي.”
لكن وائل هز راسه وقال:
“اشكريني لما تاخديه بيتكم… ويكبر وهو عارف إن أمه عمرها ما استسلمت.”
الكلمات دي خلت سارة تنهار في البكاء.
ومن اليوم ده، بقت تيجي كل يوم، ووائل كان يقف بعيد، يسيبلها المكان، وكأنه أدى الرسالة اللي جه عشانها.








