منوعات

حضانة المبتسرين

“أمه رجعت بعد أسبوع.”

“بقى يزن ثلاثة كيلو.”

محمد ظل يقلب الصور لساعات.

مقالات ذات صلة

وفي آخر الصندوق، وجد صورة له هو.

صورة التقطتها إحدى الممرضات يوم كان رضيعًا على صدر وائل.

وخلفها عبارة واحدة:

“ده الطفل اللي رجعلي الإيمان إن ربنا بيعوض.”

جلس محمد يبكي طويلًا.

ثم أخذ الصورة، وعاد بها إلى المستشفى.

وفي اليوم التالي، علّقها بجوار صورة وائل عند مدخل الحضانة.

ومنذ ذلك اليوم، صار كل متطوع جديد يقرأ القصتين معًا…

قصة رجل فقد أخاه، فحوّل ألمه إلى رحمة.

وقصة طفل وُلد وحيدًا، ثم كبر ليصبح طبيبًا ينقذ أطفالًا يشبهونه.

وهكذا بقي اسم وائل حيًا، ليس لأنه كان مشهورًا، ولا لأنه كان غنيًا…

بل لأنه أثبت أن لمسة حنان واحدة قد تغيّر حياة إنسان إلى الأبد.  بعد سنوات، أصبح للدكتور محمد عادة لا يعرفها أحد.

كل ليلة خميس، وبعد انتهاء مناوبته، كان يمر على حضانة الأطفال المبتسرين وحده.

لا ليفحص الأجهزة…

ولا ليكتب تقارير.

بل ليجلس بجوار أي طفل لا يجد أحدًا يزوره.

وفي إحدى الليالي الممطرة، دخلت سيارة إسعاف مسرعة.

كانت تحمل رضيعة وُلدت قبل موعدها بشهرين.

اسمها… ريم.

الأم توفيت أثناء الولادة.

والأب اختفى قبل وصول الإسعاف.

وضعت الطفلة في الحضانة، وبدأت تبكي بنفس الطريقة التي كان يبكي بها محمد قبل أكثر من ثلاثين عامًا.

وقفت إحدى الممرضات الشابات وقالت:

“دكتور محمد… البنت دي ملهاش حد.”

تجمد مكانه.

نفس الجملة…

التي قيلت يوم كان هو ذلك الطفل.

اقترب من الحضانة، وحمل ريم برفق، ثم جلس على الكرسي الخشبي القديم.

نفس الكرسي الذي جلس عليه وائل مئات المرات.

أغمض عينيه، وهمس دون أن يشعر:

“اهدَي يا بطلة… أنا جنبك.”

فتحت الممرضة عينيها بدهشة.

وقالت وهي تبتسم:

“دي نفس الجملة اللي كان بيقولها عم وائل.”

ابتسم محمد، وشعر لأول مرة أن صوته يشبه صوت الرجل الذي أنقذ حياته.

هدأت ريم.

وانتظمت أنفاسها.

وفي تلك اللحظة، رفع محمد عينيه إلى صورة وائل المعلقة على الحائط.

وقال في نفسه:

“اطمن… الوعد لسه مستمر.”

ومنذ تلك الليلة، صار الكرسي القديم يُعرف داخل المستشفى باسم:

“كرسي وائل.”

وكان أي متطوع جديد يجلس عليه يعرف أن مهمته ليست مجرد حمل طفل…

بل أن يمنحه شعورًا بالأمان، ولو لساعات قليلة.

وهكذا، لم تصبح قصة وائل مجرد ذكرى…

بل تحولت إلى رسالة تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل، لتثبت أن الرحمة لا تموت أبدًا. النهاية.  بعد مرور عشرين عامًا أخرى…

 

تحولت “مبادرة آدم” إلى مؤسسة خيرية لها فروع في محافظات كثيرة.

 

وأصبح اسمها معروفًا بين المستشفيات، حتى إن أي طفل يدخل حضانة من غير زائر، يُسجل تلقائيًا في برنامج المتطوعين.

 

وفي يوم افتتاح أول فرع جديد، دُعي الدكتور محمد لإلقاء كلمة.

 

وقف على المنصة، ثم قال:

 

“الناس دايمًا بيسألوني: مين مؤسس المبادرة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى