منوعات

حضانة المبتسرين

وكانت مختلفة عن كل الصفحات.

 

مكتوب فيها:

مقالات ذات صلة

 

“أنا مش خايف أموت.”

 

“أنا خايف بس ييجي يوم ميبقاش فيه حد يقعد جنب الأطفال اللي مالهمش حد.”

 

توقف محمد عن القراءة.

 

ثم ابتسم وهو ينظر من نافذة المكتب.

 

في الخارج…

 

كان يرى عشرات المتطوعين الجدد يدخلون الحضانة، يحمل كل واحد منهم بطاقة كتب عليها:

 

“أنا جنبك.”

 

الجملة نفسها…

 

التي بدأ بها وائل قصته قبل عشرات السنين.

 

أغلق محمد الدفتر برفق، وهمس:

 

“لا تقلق يا عم وائل… النهارده بقى فيه ألف حد يقولها بعدك.”

 

وفي تلك اللحظة، شعر أن إرث وائل لم يعد ملكًا لشخص واحد…

 

بل أصبح رسالة يعيش بها كل من يختار أن يكون رحيمًا مع إنسان لا يعرفه.

 

وهكذا بقيت الحكاية تُروى، ليس لأنها عن رجلٍ مليء بالوشوم… بل لأنها عن قلبٍ امتلأ بالرحمة حتى آخر نبضة.  بعد عام واحد…

 

كانت المستشفى تحتفل بمرور خمسين عامًا على افتتاح حضّانة الأطفال المبتسرين.

 

وأثناء تجهيز معرض الصور، دخلت سيدة مسنة تستند إلى عصا، وبيدها ظرف أصفر قديم.

 

وقفت أمام صورة وائل طويلًا، ثم بدأت تبكي.

 

اقترب منها الدكتور محمد وسألها برفق:

 

“حضرتك تعرفيه؟”

 

هزّت رأسها وقالت:

 

“أعرفه… ويمكن أكون أكتر واحدة ظلمته.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت:

 

“أنا والدته.”

 

تجمّد محمد في مكانه.

 

كانت أول مرة يسمع فيها عن أم وائل.

 

جلست السيدة على المقعد، وأخرجت صورة قديمة لطفلين.

 

واحد منهم كان وائل وهو في الثانية عشرة، والثاني طفل رضيع يبتسم…

 

آدم.

 

قالت وهي تمسح دموعها:

 

“بعد وفاة آدم… وائل اتغيّر تمامًا. بطل يضحك، وبطل يلعب، وكل يوم كان يلوم نفسه ويقول: لو كنت دخلتله بدري، كان عاش.”

 

تنهدت بحزن.

 

“فضلت سنين أحاول أقنعه إنه ملوش ذنب… لكنه عمره ما صدق.”

 

ثم أخرجت رسالة مطوية بعناية.

 

“كتبها قبل ما يموت بشهر، وقال لي: متفتحيهاش إلا لما تحسي إن رسالتي وصلت.”

 

ناولتها لمحمد.

 

فتحها ببطء.

 

وكان مكتوب فيها:

 

> “يا أمي… لو في يوم سامحتِ نفسك على اللي حصل لآدم، سامحيني أنا كمان.

 

أنا عارف إنك كنتي مكسورة زينا كلنا.

 

أنا خلاص مبقتش شايل وجع.

 

لأن ربنا رزقني بمئات الإخوات الصغيرين.

 

كل طفل خرج من الحضانة وهو سليم… كان كأنه آدم بيرجع يبتسم لي من جديد.”

 

 

 

لم تستطع الأم أن تكمل القراءة.

 

أجهشت بالبكاء.

 

اقترب منها محمد، وأمسك يدها، وقال:

 

“حضرتك خسرتِ ابنين…

 

لكن صدقيني…

 

ابنك الكبير أنقذ آلاف الأطفال.”

 

رفعت رأسها إلى صورة وائل المعلقة على الحائط.

 

ولأول مرة منذ أكثر من أربعين سنة…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى