منوعات

حضانة المبتسرين

وقال:

 

“استنوا دقيقة.”

مقالات ذات صلة

 

نزل من على المسرح وسط تصفيق الحضور، ومشى لحد وائل.

 

وفجأة…

 

حضنه قدام الجميع.

 

وقال بصوت سمعته القاعة كلها:

 

“أنا عمري ما عرفت يعني إيه حضن الأب… لكن الراجل ده علّمني إن الأبوة مش بالدم… الأبوة بالمواقف.”

 

انهمرت دموع وائل لأول مرة من غير ما يحاول يخبيها.

 

في الأسبوع اللي بعده، محمد أخد أول مرتب ليه من شغله في المستشفى.

 

وأول حاجة عملها…

 

راح لنفس حضانة الأطفال المبتسرين اللي بدأ فيها حياته.

 

دخل القسم ومعاه صندوق كبير.

 

الممرضات استقبلوه بفرحة، لأنه بقى واحد منهم.

 

فتح الصندوق.

 

كان مليان بطاطين صغيرة، ورضاعات، وحفاضات، وأجهزة مراقبة جديدة، ومتعلق عليه لافتة مكتوب فيها:

 

“تبرع باسم آدم حمدي… الطفل الذي لم يحصل على فرصة، لكنه منحها لغيره.”

 

وقتها فهمت إن قصة آدم ما انتهتش يوم رحل…

 

لأن أثره فضل عايش في كل طفل نجا بعده.

 

ومن يومها، المستشفى أطلقت على برنامج المتطوعين اسم:

 

“مبادرة آدم.”

 

وأصبح أي طفل يدخل الحضانة من غير زائر، يلاقي متطوعًا يجلس بجواره، يغني له، أو يقرأ له، أو يكتفي بأن يمسك يده الصغيرة حتى لا يشعر أنه وحده.

 

أما وائل…

 

فكان يجلس كل يوم على نفس الكرسي.

 

لكن هذه المرة، لم يكن يحمل طفلًا واحدًا…

 

بل كان يحمل الأمل لعشرات الأطفال، حتى رحل عن الدنيا بعد سنوات، تاركًا وراءه اسمًا لا يُنسى.

 

وعندما علّقت المستشفى صورته عند مدخل حضانة الأطفال، كُتب تحتها:

 

“ليس كل الأبطال يرتدون معاطف الأطباء… بعضهم يأتي بوشومٍ على ذراعيه، وقلبٍ يتسع للعالم كله.”

 

تمت.  بعد عدة أشهر من وفاة وائل، كانت الحياة ماشية بشكل طبيعي في المستشفى.

لكن في صباح هادئ، وصلت رسالة مختومة باسم محامٍ.

كانت مكتوب عليها:

“تُفتح فقط بحضور الدكتور محمد ناصر.”

استغرب محمد، وفتح الظرف.

كان بداخله خطاب بخط يد وائل، مؤرخ قبل وفاته بأيام.

بدأ يقرأ:

“يا محمد… لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجود. متزعلش. أنا عشت العمر اللي كنت أتمنى أعيشه.

فيه حاجة واحدة بس نفسي تكملها. أوعى تخلي أي طفل في الحضانة يحس إنه منسي. ولو قابلت يومًا طفلًا مالوش حد… اقعد جنبه. يمكن حضنك ينقذ حياته أكتر من أي دواء.”

لكن كان فيه ظرف صغير تاني.

فتحه…

ولقى مفتاحًا قديمًا، ومعاه عنوان منزل بسيط.

راح محمد هناك.

البيت كان متواضعًا جدًا، كأنه متوقف عند الزمن.

وفي إحدى الغرف، وجد صندوقًا خشبيًا.

فتح الصندوق، فوجد مئات الصور.

كل صورة كانت لطفل رضيع حمله وائل في حضانة الأطفال على مدار السنين.

وخلف كل صورة تاريخ، واسم الطفل، وجملة قصيرة.

“ابتسم لأول مرة.”

“خرج من المستشفى سليمًا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى