صحيت الفجر

وبعدها بثلاث أيام…
دفعت بيها المبلغ اللي أنقذ مشروع المطعم بتاعك من الحجز، المشروع اللي طلبت مني وقتها ما أقولش للأولاد عنه، عشان على حد كلامك كان بيكسرك.
ماهر رفع عينه وبص لكريم.
ودي كانت أول مرة يبان عليه الارتباك.
قلبت صفحة تانية.
يونيو ٢٠٠١.
العربون اللي أخدته من رواية جديدة دفع مصاريف أول سنة جامعة لابننا، بعد ما استثمارك وقف واتجمدت فلوسك.
وقلبت صفحة كمان.
يناير ٢٠٠٨.
أنا اللي دفعت مرتبات الموظفين في شركتك الاستشارية.
جيهان قعدت على الكرسي بهدوء، كأن رجليها مبقتش شايلة جسمها.
بصيت لكريم وقلت
مين فينا كان بيحمي التاني؟
وشه احمر لحد رقبته.
مد إيده ناحية الكشكول…
لكن سحبته قبل ما يلمسه.
والحركة دي وجعته أكتر من كل الأوراق والقضايا.
مش بسبب الكشكول نفسه…
لكن لأنه لأول مرة أخد حاجة مني، وما قدرش يستردها.
الاسم اللي على الغلاف
خرج كريم من البيت الساعة تسعة والربع.
شايل شنطتين هدوم.
ووشه…
الصورة دي هتفضل محفورة في ذاكرتي لحد آخر يوم في عمري.
ما صرخش.
ولا
.
أظن إنه استنفد كل اللي عنده.
حسام بلغه إنه ممنوع يطلع أي حاجة تانية من البيت.
ودنيا صورت الدولاب اللي في الممر بعد ما أخد شنطه.
إجراءات روتينية.
ماهر وجيهان مشيوا من غير حتى ما يستنوا التحلية.
أما إيمان…
فوقفت قدامي وقالت
ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟
قلت من غير تردد
لأ.
عيطت…
وبرضه مشيت.
أول ما الباب اتقفل…
البيت رجع هادي بشكل غريب.
صوت التلاجة.
وصوت الساعة.
وصوت المطر وهو بينزل بهدوء على المزاريب برا المطبخ.
فضلت واقفة أبص على بقعة النبيذ الحمرا فوق مفرش السفرة الأبيض.
قالت دنيا، اللي واضح إنها شافت مواقف أغرب من دي بكتير
حطي عليها شوية مياه غازية الأول.
وفعلًا…
قعدنا الساعة عشرة بالليل ننضف بقعة النبيذ، بينما حسام بيتكلم مع مكتبه في التليفون عنح
الإجراءات اللي هتتم يوم الاتنين.
ليلة عادية…
في بيت عمره ما كان عادي.
ولما كلهم مشيوا…
قفلت الباب بالمفتاح.
ودخلت مكتب كريم.
لأ…
مكتبي أنا.
كانت لسه فيه ريحة البرفيوم بتاعه، ممزوجة بريحة الورق والحبر.
فتحت الدرج السفلي اللي كان مخبي فيه ملفات أرباح رواياتي.
وشلتها.
وحطيت مكانها الكشكول الأزرق.
في أول الدرج.
بعدها شلت الإطار اللي فيه أول طبعة من أول رواية نشرتها.
وكان تحتها لوحة معدنية مكتوب عليها
مريم الشرقاوي
صوت أدبي جديد ومبهر.
فضلت باصة للإطار شوية.
كنت ممكن أسيبه زي ما هو.
لكن ما عملتش كده.
جبت زبدة من المطبخ.
فكيت بيها ضهر الإطار.
طلعت اللوحة المعدنية.
وا بإيديا نصين.
مش عشانه…
لكن عشان خلاص.
اكتفيت من إني أشيل اسم مبقاش يمثلني، بس لأن الناس اتعودت تشوفه.
الإزاز هز جوه الإطار.
واتجرح طرف صباعي صغير.
مصيت نقطة
ودورت على قلم.
وخدت ورقة من الورق اللي كان على مكتب كريم.
وكتبت اسمي الحقيقي…
مريم عادل.
كتبته مرة.
وبعدين كتبته تاني.
وبعدين للمرة التالتة…
ببطء أكتر.
لحد ما نص الليل عدى.
وكان المطر وقف.
والبيت كله بقى ساكت…
ما عدا صوت القلم وهو بيشطب اسم الشرقاوي من على الملاحظات القديمة، والملفات، وكل جزء من حياتي كان فاكر إنه بقى ملكه.








