جوزي خبي عليا انه مريض

بصيت في عينيها.
— وعندك حق يا حبيبتي.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— ماما، ممكن أسألك سؤال؟
— طبعًا.
— هو ليه إنتِ كنتِ بتوصلي صوفي كل يوم، وماما صوفي مش بتحب تساعدنا؟
ماعرفتش أرد بسرعة.
وبعدين قلت:
— لأن الناس مش كلها شبه بعض يا ملك. فيه ناس بتقدر المعروف، وفيه ناس بتنساه. بس ده مش معناه إننا نبطل نعمل خير، معناه بس إننا نتعلم نحط حدود.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— يعني لو صوفي احتاجتني أساعدها في الواجب، أساعدها؟
ضحكت رغم دموعي.
— طبعًا يا حبيبتي، صوفي مالهاش ذنب.
حضنتني وقالت:
— بحبك يا ماما.
وفي اللحظة دي حسيت إن كل اللي حصل، رغم قسوته، ممكن يعلم بنتي درس مهم عن الكرامة والرحمة.
لكن ماكنتش أعرف إن فانيسا نفسها لسه مخبية سر أكبر من حادثة العربية.
بعد حوالي ساعتين، وأنا في المحل عند أختي، تليفوني رن.
الرقم كان غريب.
رديت:
— ألو؟
جالي صوت راجل:
— مدام مريم؟
— أيوه، مين معايا؟
— أنا سامح، مدير فرع معرض العربيات اللي أستاذ شريف شريك فيه.
استغربت.
— خير يا أستاذ سامح؟
قال:
— معلش على الإزعاج، بس محتاج أسأل حضرتك عن موضوع مهم.
قلبي اتقبض.
— موضوع إيه؟
— حضرتك تعرفي مدام فانيسا من زمان؟
قلت بحذر:
— جارتي من سنتين تقريبًا. ليه؟
سكت لحظة.
— هي قالتلنا إن حضرتك كنتِ بتستخدمي العربية البيضا معاها، وإنك سُقتيها أكتر من مرة.
اتجمدت مكاني.
— نعم؟!
كمل:
— إحنا بنراجع أوراق العربية بعد الحادثة، واسم حضرتك اتذكر في كلامها.
حسيت إن أعصابي بدأت تفلت.
— أستاذ سامح، أنا عمري ما ركبت العربية دي أصلًا، ولا لمست مفتاحها! العربية بقالها أسبوع واحد عندها، وأنا عندي عربيتي الخاصة.
قال بسرعة:
— تمام، أنا بس كنت بتأكد.
قلت بحدة:
— تتأكد من إيه؟! هو كل ما تحصل مصيبة للست دي، تحط اسمي فيها؟!
اعتذر وقال:
— حقك عليا، وإحنا هنتعامل مع الموضوع رسميًا.
قفلت المكالمة وأنا بتترعش من الغضب.
اتصلت بأحمد فورًا.
حكيتله كل حاجة.
قال:
— متقلقيش، بس من دلوقتي احتفظي بكل الرسائل اللي بينك وبينها، ومتدخليش في أي نقاش معاها من غير ما أكون موجود.
قلت:
— أنا مش فاهمة هي عايزة مني إيه!
رد:
— واضح إنها بتحاول تهرب من مسؤولية اللي حصل، وتدور على أي حد تشيلّه الغلط.
رجعت البيت بدري.
ولقيت رسالة من رقم شريف.
“مدام مريم، أنا محتاج أقابل حضرتك وأستاذ أحمد النهارده. فيه حاجة اكتشفتها ولازم تعرفوها.”
بصيت للرسالة بقلق.
وبعتها لأحمد.
رد عليا:
“استنيني لما أرجع، وماتقابليش حد لوحدك.”
الساعة خمسة العصر، شريف وصل عندنا.
كان شكله متغير تمامًا.
وشه شاحب، وعينيه حمرا كأنه ما نامش من يومين.
أحمد فتحله الباب ودخله الصالون.
قعد شريف وهو ماسك ملف بني.
قال:
— أنا جاي أعتذرلكم للمرة التانية، بس المرة دي الموضوع أكبر من مجرد اعتذار.
أحمد سأله:
— خير يا أستاذ شريف؟
شريف حط الملف على الترابيزة.
— أنا اكتشفت إن مراتي كانت بتستغل طيبة مدام مريم بطريقة أنا نفسي ماكنتش أعرفها.
بصيتله باستغراب.
— تقصد إيه؟
فتح الملف وطلع ورق مطبوع.
— من سنتين، لما صوفي دخلت المدرسة، أنا كنت مشغول جدًا في الشغل. وفانيسا قالتلي إنها اتفقت مع سواق خاص يوصل البنت كل يوم.
قلت:
— سواق إيه؟! أنا اللي كنت بوصلها!
هز راسه بحزن.
— أيوه، وده اللي اكتشفته النهارده.
وبعدين طلع كشف حساب.
— فانيسا كانت بتاخد مني كل شهر مبلغ مخصوص لمواصلات صوفي.
أحمد سأله:
— مبلغ قد إيه؟
قال:
— ألفين وخمسمية جنيه في الشهر.
فتحت عيني من الصدمة.
— ألفين وخمسمية؟!
قال:
— أيوه، وكانت بتقوللي إن السواق بيطلب زيادة كل شوية بسبب البنزين.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
سنتين كاملين!
أربعة وعشرين شهر!
يعني ستين ألف جنيه!
أنا كنت بوصل بنتها ببلاش، وهي بتاخد من جوزها فلوس مواصلات كل شهر!
قلت وأنا مش مصدقة:
— يعني هي كانت بتستغلني، وفوق ده كله بتاخد فلوس على المشاوير اللي أنا بعملها؟!
شريف وطّى راسه.
— للأسف.
أحمد اتنهد وقال:
— ومراتك كانت بتقول لمريم إن جوزها مش بيساعدها في مصاريف البيت!
شريف رفع راسه فجأة.
— أنا؟! أنا كل شهر بسيبلها مصروف البيت كامل، غير مصاريف صوفي!
حسيت إن كل موقف عدى عليا خلال السنتين بدأ يرجع قدام عيني.
كل مرة كنت بستنى صوفي وهي متأخرة.
كل مرة كنت برجع أجيب شنطتها.
كل مرة كنت بشتري لها أكل من جيبي.
وكل مرة كانت فانيسا تضحك وتقول:
“إنتِ منقذاني يا مريم!”
دلوقتي فهمت ليه كانت بتقولها.
أنا فعلًا كنت منقذاها.
بس مش من مشكلة المواصلات.
كنت منقذاها من إنها تدفع فلوس السواق اللي كانت بتاخدها من جوزها!




